بغير اسمه. فقال : «أليس البلدة الحرام؟» قلنا : بلى! قال : «فأي يوم هذا؟» قلنا : الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال : أليس يوم النحر؟ قلنا : بلى! .. إلخ.
فهذه صورة من الأدب ، ومن التحرج ، ومن التقوى ، التي انتهى إليها المسلمون بعد سماعهم ذلك النداء ، وذلك التوجيه ، وتلك الإشارة إلى التقوى ، تقوى الله السميع العليم.
والأدب الثاني هو أدبهم مع نبيهم في الحديث والخطاب ؛ وتوقيرهم له في قلوبهم ، توقيرا ينعكس على نبراتهم وأصواتهم ؛ ويميز شخص رسول الله بينهم ، ويميز مجلسه فيهم ؛ والله يدعوهم إليه بذلك النداء الحبيب ؛ ويحذرهم من مخالفة ذلك التحذير الرهيب :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ، وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ، أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) ..
يا أيها الذين آمنوا .. ليوقروا النبي الذي دعاهم إلى الإيمان .. أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون .. ليحذروا هذا المزلق الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم ، وهم غير شاعرين ولا عالمين ، ليتقوه!
ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب ، وهذا التحذير المرهوب ، عمله العميق الشديد :
قال البخاري : حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي ، حدثنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة. قال : كاد الخيران أن يهلكا .. أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .. رفعا أصواتهما عند النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حين قدم عليه ركب بني تميم (في السنة التاسعة من الهجرة) فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ـ رضي الله عنه ـ أخي بني مجاشع (أي ليؤمره عليهم) وأشار الآخر برجل آخر. قال نافع : لا أحفظ اسمه (في رواية أخرى أن اسمه القعقاع بن معبد) فقال : أبو بكر لعمر ـ رضي الله عنهما ـ ما أردت إلا خلافي. قال : ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك. فأنزل الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ، وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ، أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ). قال ابن الزبير ـ رضي الله عنه ـ : فما كان عمر ـ رضي الله عنه ـ يسمع رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بعد هذه الآية حتى يستفهمه! .. وروي عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال لما نزلت هذه الآية : قلت : يا رسول الله ، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار (يعني كالهمس!).
وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : لما نزلت هذه الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ) ـ إلى قوله : (وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت. فقال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أنا من أهل النار. حبط عملي. وجلس في أهله حزينا. ففقده رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فانطلق بعض القوم إليه ، فقالوا له : تفقدك رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ مالك؟ قال : أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وأجهر له بالقول. حبط عملي. أنا من أهل النار. فأتوا النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فأخبروه بما قال. فقال النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «لا. بل هو من أهل الجنة». قال أنس ـ رضي الله عنه ـ : فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة.
فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب ، وذلك التحذير الرعيب ؛ وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله صلىاللهعليهوسلم خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون. ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم! ولكن هذا المنزلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم ، فخافوه واتقوه!
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
