(إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ..
تبدأ السورة بأول نداء حبيب ، وأول استجاشة للقلوب. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) .. نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب. واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به ، وتشعرهم بأنهم له ، وأنهم يحملون شارته ، وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده ، وأنهم هنا لأمر يقدره ويريده ، وأنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم اختيارا لهم ومنة عليهم ، فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن يكونوا ، وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره ، يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم ، ويسلم ويستسلم :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ..
يا أيها الذين آمنوا ، لا تقترحوا على الله ورسوله اقتراحا ، لا في خاصة أنفسكم ، ولا في أمور الحياة من حولكم. ولا تقولوا في أمر قبل قول الله فيه على لسان رسوله ، ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول الله وقول رسوله.
قال قتادة : ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون : لو أنزل في كذا وكذا. لو صح كذا. فكره الله تعالى ذلك. وقال العوفي : نهوا أن يتكلموا بين يديه. وقال مجاهد : لا تفتاتوا على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه. وقال الضحاك : لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم. وقال علي بن طلحة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
فهو أدب نفسي مع الله ورسوله. وهو منهج في التلقي والتنفيذ. وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته .. وهو منبثق من تقوى الله ، وراجع إليها. هذه التقوى النابعة من الشعور بأن الله سميع عليم .. وكل ذلك في آية واحدة قصيرة ، تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة.
وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم ؛ فما عاد مقترح منهم يقترح على الله ورسوله ؛ وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يدلي به ؛ وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم ، إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول ..
روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ـ بإسناده ـ عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ حيث قال له النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حين بعثه إلى اليمن : «بم تحكم؟» قال : بكتاب الله تعالى. قال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «فإن لم تجد؟» قال : بسنة رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «فإن لم تجد؟» قال ـ رضي الله عنه ـ : أجتهد رأيي. فضرب في صدره وقال : «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لما يرضي رسول الله.
وحتى لكأن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يسألهم عن اليوم الذي هم فيه ، والمكان الذي هم فيه ، وهم يعلمونه حق العلم ، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم : الله ورسوله أعلم. خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله!
جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ سأل في حجة الوداع :
«أي شهر هذا؟» .. قلنا : الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال : «أليس ذا الحجة؟» قلنا : بلى! قال : «أي بلد هذا؟» قلنا : الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
