وهو إيحاء عجيب واختيار للتعبير رائع.
ومثله : (وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) .. بل هو أظهر حيوية ، وأشد إيحاء. والصبح حي يتنفس. أنفاسه النور والحياة والحركة التي تدب في كل حي. وأكاد أجزم أن اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيرا لهذا التعبير عن الصبح. ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنه بالفعل يتنفس! ثم يجيء هذا التعبير فيصور هذه الحقيقة التي يشعر بها القلب المتفتح.
وكل متذوق لجمال التعبير والتصوير يدرك أن قوله تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) .. ثروة شعورية وتعبيرية. فوق ما يشير إليه من حقائق كونية. ثروة جميلة بديعة رشيقة ؛ تضاف إلى رصيد البشرية من المشاعر ، وهي تستقبل هذه الظواهر الكونية بالحس الشاعر.
* * *
يلوح بهذه المشاهد الكونية التي يخلع عليها الحياة ؛ ويصل روح الإنسان بأرواحها من خلال التعبير الحي الجميل عنها ؛ لتسكب في روح الإنسان أسرارها ، وتشي لها بالقدرة التي وراءها ، وتحدثها بصدق الحقيقة الإيمانية التي تدعى إليها .. ثم يذكر هذه الحقيقة في أنسب الحالات لذكرها واستقبالها :
(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) ..
إن هذا القرآن ، وهذا الوصف لليوم الآخر .. لقول رسول كريم .. وهو جبريل الذي حمل هذا القول وأبلغه .. فصار قوله باعتبار تبليغه.
ويذكر صفة هذا الرسول ، الذي اختير لحمل هذا القول وإبلاغه .. (كَرِيمٍ) عند ربه. فربه هو الذي يقول .. (ذِي قُوَّةٍ) .. مما يوحي بأن هذا القول يحتاج في حمله إلى قوة. (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) .. في مقامه ومكانته .. وعند من؟ عند ذي العرش العلي الأعلى. (مُطاعٍ ثَمَّ) هناك في الملأ الأعلى. (أَمِينٍ) .. على ما يحمل وما يبلغ ..
وهذه الصفات في مجموعها توحي بكرامة هذا القول وضخامته وسموه كذلك وارتفاعه. كما توحي بعناية الله سبحانه بالإنسان ، حتى ليختار هذا الرسول صاحب هذه الصفة ليحمل الرسالة إليه ، ويبلغ الوحي إلى النبي المختار منه .. وهي عناية تخجل هذا الكائن ، الذي لا يساوي في ملك الله شيئا ، لو لا أن الله ـ سبحانه ـ يتفضل عليه فيكرمه هذه الكرامة!
* * *
فهذه صفة الرسول الذي حمل القول وأداه ، فأما الرسول الذي حمله إليكم فهو (صاحِبُكُمْ) .. عرفتموه حق المعرفة عمرا طويلا. فما لكم حين جاءكم بالحق تقولون فيه ما تقولون. وتذهبون في أمره المذاهب ، وهو (صاحِبُكُمْ) الذي لا تجهلون. وهو الأمين على الغيب الذي يحدثكم عنه عن يقين :
(وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ. وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ. وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ. وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) ..
ولقد قالوا عن النبي الكريم الذي يعرفونه حق المعرفة ، ويعرفون رجاحة عقله ، وصدقه وأمانته وتثبته ، قالوا عنه : إنه مجنون. وإن شيطانا يتنزل عليه بما يقول. قال بعضهم هذا كيدا له ولدعوته كما وردت بذلك الأخبار. وقاله بعضهم عجبا ودهشة من هذا القول الذي لا يقوله البشر فيما يألفون ويعهدون. وتمشيا مع ظنهم
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
