ثم تجيء الخطوة الأخيرة في مشاهد ذلك اليوم الهائل المرهوب :
(وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ. وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) ..
حيث تتوقد الجحيم وتتسعر ، ويزداد لهيبها ووهجها وحرارتها .. أما أين هي؟ وكيف تتسعر وتتوقد؟ وبأي شيء تتوقد؟ فليس لدينا من ذلك إلا قوله تعالى : (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ). وذلك بعد إلقاء أهلها فيها. أما قبل ذلك فالله أعلم بها وبوقودها!
وحيث تقرب الجنة وتظهر لروادها الموعودين بها ، وتبدو لهم سهولة مدخلها ، ويسر ولوجها. فهي مزلفة مقربة مهيأة. واللفظ كأنما يزحلقها أو يزحلق الأقدام بيسر إليها!!
* * *
عند ما تقع هذه الأحداث الهائلة كلها ، في كيان الكون ، وفي أحوال الأحياء والأشياء. عندئذ لا يبقى لدى النفوس شك في حقيقة ما عملت ، وما تزودت به لهذا اليوم ، وما حملت معها للعرض ، وما أحضرت للحساب :
(عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) ..
كل نفس تعلم ، في هذا اليوم الهائل ما معها وما لها وما عليها .. تعلم وهذا الهول يحيط بها ويغمرها .. تعلم وهي لا تملك أن تغير شيئا مما أحضرت ، ولا أن تزيد عليه ولا أن تنقص منه .. تعلم وقد انفصلت عن كل ما هو مألوف لها ، معهود في حياتها أو تصورها. وقد انقطعت عن عالمها وانقطع عنها عالمها. وقد تغير كل شيء وتبدل كل شيء ، ولم يبق إلا وجه الله الكريم ، الذي لا يتحول ولا يتبدل .. فما أولى أن تتجه النفوس إلى وجه الله الكريم ، فتجده ـ سبحانه ـ عند ما يتحول الكون كله ويتبدل!
وبهذا الإيقاع ينتهي المقطع الأول وقد امتلأ الحس وفاض بمشاهد اليوم الذي يتم فيه هذا الانقلاب.
* * *
ثم يجيء المقطع الثاني في السورة يبدأ بالتلويح بالقسم بمشاهد كونية جميلة ، تختار لها تعبيرات أنيقة .. القسم على طبيعة الوحي ، وصفة الرسول الذي يحمله ، والرسول الذي يتلقاه ، وموقف الناس حياله وفق مشيئة الله :
(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ. وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ. وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ، وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ. وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) ..
والخنس الجوار الكنس .. هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية وتجري وتختفي. والتعبير يخلع عليها حياة رشيقة كحياة الظباء. وهي تجري وتختبئ في كناسها وترجع من ناحية أخرى. فهناك حياة تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب ، وهناك إيحاء شعوري بالجمال في حركتها. في اختفائها وفي ظهورها. في تواريها وفي سفورها. في جريها وفي عودتها. يقابله إيحاء بالجمال في شكل اللفظ وجرسه.
(وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ) .. أي إذا أظلم. ولكن اللفظ فيه تلك الإيحاءات كذلك. فلفظ عسعس مؤلف من مقطعين : عس. عس. وهو يوحي بجرسه بحياة في هذا الليل ، وهو يعس في الظلام بيده أو برجله لا يرى!
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
