على يديها ميلاد جديد للإنسان كالميلاد الذي شهدته أول مرة ، والذي جاء ذلك الحادث الذي حكاه مطلع هذه السورة ليعلنه في تلك الآيات القليلة الحاسمة العظيمة ..
* * *
وبعد تقرير تلك الحقيقة الكبيرة في ثنايا التعقيب على ذلك الحادث ، في المقطع الأول من السورة ، يعجب السياق في المقطع الثاني من أمر هذا الإنسان ، الذي يعرض عن الهدى ، ويستغني عن الإيمان ، ويستعلي على الدعوة إلى ربه .. يعجب من أمره وكفره ، وهو لا يذكر مصدر وجوده ، وأصل نشأته ، ولا يرى عناية الله به وهيمنته كذلك على كل مرحلة من مراحل نشأته في الأولى والآخرة ؛ ولا يؤدي ما عليه لخالقه وكافله ومحاسبه :
(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ! مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؟ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ. كَلَّا! لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ) ..
(قُتِلَ الْإِنْسانُ!) .. فإنه ليستحق القتل على عجيب تصرفه .. فهي صيغة تفظيع وتقبيح وتشنيع لأمره. وإفادة أنه يرتكب ما يستوجب القتل لشناعته وبشاعته ..
(ما أَكْفَرَهُ!) .. ما أشد كفره وجحوده ونكرانه لمقتضيات نشأته وخلقته. ولو رعى هذه المقتضيات لشكر خالقه ، ولتواضع في دنياه ، ولذكر آخرته ..
وإلا فعلام يتكبر ويستغني ويعرض؟ وما هو أصله وما هو مبدؤه؟
(مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؟) ..
إنه أصل متواضع زهيد ، يستمد كل قيمته من فضل الله ونعمته ، ومن تقديره وتدبيره :
(مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) ..
من هذا الشيء الذي لا قيمة له ؛ ومن هذا الأصل الذي لا قوام له .. ولكن خالقه هو الذي قدره. قدره. من تقدير الصنع وإحكامه. وقدره : من منحه قدرا وقيمة فجعله خلقا سويا ، وجعله خلقا كريما. وارتفع به من ذلك الأصل المتواضع ، إلى المقام الرفيع الذي تسخر له فيه الأرض وما عليها.
(ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) ..
فمهد له سبيل الحياة. أو مهد له سبيل الهداية. ويسره لسلوكه بما أودعه من خصائص واستعدادات. سواء لرحلة الحياة ، أو للاهتداء فيها.
حتى إذا انتهت الرحلة ، صار إلى النهاية التي يصير إليها كل حي. بلا اختيار ولا فرار :
(ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ) ..
فأمره في نهايته كأمره في بدايته ، في يد الذي أخرجه إلى الحياة حين شاء ، وأنهى حياته حين شاء ، وجعل مثواه جوف الأرض ، كرامة له ورعاية ، ولم يجعل السنة أن يترك على ظهرها للجوارح والكواسر. وأودع فطرته الحرص على مواراة ميته وقبره. فكان هذا طرفا من تدبيره له وتقديره.
حتى إذا حان الموعد الذي اقتضته مشيئته ، أعاده إلى الحياة لما يراد به من الأمر :
(ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ) ..
فليس متروكا سدى ، ولا ذاهبا بلا حساب ولا جزاء .. فهل تراه تهيأ لهذا الأمر واستعد؟
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
