كله بأسا. فإنما هو عمار صاحب رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ السابق إلى الإسلام الذي قال عنه رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ما قال!
وعمر هو الذي يقول عن أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ هو سيدنا وأعتق سيدنا. يعني بلالا. الذي كان مملوكا لأمية بن خلف. وكان يعذبه عذابا شديدا. حتى اشتراه منه أبو بكر وأعتقه .. وعنه يقول عمر بن الخطاب .. عن بلال .. سيدنا!
وعمر هو الذي قال : «ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته» يقول هذا ، وهو لم يستخلف عثمان ولا عليا ، ولا طلحة ولا الزبير .. إنما جعل الشورى في الستة بعده ولم يستخلف أحدا بذاته!
وعلي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ يرسل عمارا والحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ إلى أهل الكوفة يستنفرهم في الأمر الذي كان بينه وبين عائشة ـ رضي الله عنها ـ فيقول : «إني لأعلم أنها زوجة نبيكم ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في الدنيا والآخرة ، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو تتبعوها» (١) .. فيسمع له الناس في شأن عائشة أم المؤمنين ، وبنت الصديق أبي بكر ـ رضي الله عنهم جميعا.
وبلال بن رباح يرجوه أخوه في الإسلام أبو رويحة الخثعمي أن يتوسط له في الزواج من قوم من أهل اليمن. فيقول لهم : «أنا بلال بن رباح ، وهذا أخي أبو رويحة ، وهو امرؤ سوء في الخلق والدين. فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه ، وإن شئتم أن تدعوا فدعوا» .. فلا يدلس عليهم ، ولا يخفي من أمر أخيه شيئا ، ولا يذكر أنه وسيط وينسى أنه مسؤول أمام الله فيما يقول .. فيطمئن القوم إلى هذا الصدق .. ويزوجون أخاه ، وحسبهم ـ وهو العربي ذو النسب ـ أن يكون بلال المولى الحبشي وسيطه!
* * *
واستقرت تلك الحقيقة الكبيرة في المجتمع الإسلامي ، وظلت مستقرة بعد ذلك آمادا طويلة على الرغم من عوامل الانتكاس الكثيرة. «وقد كان عبد الله بن عباس يذكر ويذكر معه مولاه عكرمة. وكان عبد الله ابن عمر يذكر ويذكر معه مولاه نافع. وأنس بن مالك ومعه مولاه ابن سيرين. وأبو هريرة ومعه مولاه عبد الرحمن بن هرمز. وفي البصرة كان الحسن البصري. وفي مكة كان مجاهد بن جبر ، وعطاء بن رباح ، وطاووس بن كيسان هم الفقهاء. وفي مصر تولى الفتيا يزيد بن أبي حبيب في أيام عمر بن عبد العزيز وهو مولى أسود من دنقلة» (٢) ..
وظل ميزان السماء يرجح بأهل التقوى ولو تجردوا من قيم الأرض كلها .. في اعتبار أنفسهم وفي اعتبار الناس من حولهم. ولم يرفع هذا الميزان من الأرض إلا قريبا جدا بعد أن طغت الجاهلية طغيانا شاملا في أنحاء الأرض جميعا. وأصبح الرجل يقوم برصيده من الدولارات في أمريكا زعيمة الدول الغربية. وأصبح الإنسان كله لا يساوي الآلة في المذهب المادي المسيطر في روسيا زعيمة الدول الشرقية. أما أرض المسلمين فقد سادت فيها الجاهلية الأولى ، التي جاء الإسلام ليرفعها من وهدتها ؛ وانطلقت فيها نعرات كان الإسلام قد قضى عليها. وحطمت ذلك الميزان الإلهي وارتدت إلى قيم جاهلية زهيدة لا تمت بصلة إلى الإيمان والتقوى ..
ولم يعد هنالك إلا أمل يناط بالدعوة الإسلامية أن تنقذ البشرية كلها مرة أخرى من الجاهلية ؛ وأن يتحقق
__________________
(١) أخرجه البخاري.
(٢) مستقى من كتاب أبو حنيفة للأستاذ عبد الحليم الجندي.
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
