أَصْحابُ الْجَحِيمِ) ..
إن المتصدقين والمتصدقات لا يتفضلون على آخذي الصدقات ، ولا يتعاملون في هذا مع الناس. إنما هم يقرضون الله ويتعاملون مباشرة معه. فأي حافز للصدقة أوقع وأعمق من شعور المعطي بأنه يقرض الغني الحميد ، وأنه يتعامل مع مالك الوجود؟ وأن ما ينفقه مخلف عليه مضاعفا ؛ وأن له بعد ذلك كله أجرا كريما؟
ومقام الصديقين مقام رفيع كما تصوره الأحاديث النبوية الشريفة. ومع علو هذا المقام فهو بفضل الله ميسور لمن أراده ، وليس وقفا على أفراد ولا على طائفة. فكل من يحقق إيمانه بالله ورسله يطمع في هذا المقام الرفيع ، ولا حجر على فضل الله :
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) ..
وتلك خاصية هذا الدين وميزته. إنه طريق مفتوح لجميع البشر ، وأفق يتطلع إليه الجميع ، ليس فيه احتكار للمقامات ، وليس فيه خصوصيات محجوزة لأناس بأعيانهم. وليس إلا العمل يصعد بصاحبه إلى أرقى الدرجات. إنه دين لا مجال فيه للطبقات المحفوظة المقام!
روى الإمام مالك في كتابه «الموطأ» عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قال : «إن أهل الجنة ليتراؤن أهل الغرف من فوقهم كما تتراؤن الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب ، لتفاضل ما بينهم» .. قالوا : يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال : «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين (١)» ..
فهذه لمسة الإيمان. فأما لمسة الفداء فقوله بعد ذلك :
«والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم» ..
والحديث عن مقام الشهداء ورد مرات في القرآن ، وتواترت به الأحاديث النبوية. فهذا الدين لا يقوم بغير حراسة ؛ ولا يتحقق في الأرض بغير جهاد. جهاد لتأمين العقيدة وتأمين الدعوة وحماية أهله من الفتنة وشريعته من الفساد. ومن ثم كان للشهداء في سبيل الله ـ وهم وحدهم الذين يسمون شهداء ـ مقامهم ، وكان لهم قربهم من ربهم. القرب الذي يعبر عنه بأنهم (عِنْدَ رَبِّهِمْ) ..
جاء في الصحيحين : «أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل. فاطلع عليهم ربهم اطلاعة ، فقال : ما ذا تريدون! فقالوا : نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة. فقال : إني قد قضيت أنهم إليها لا يرجعون».
وأخرج الشيخان وغير هما عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء ـ إلا الشهيد ـ يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة» ..
وكذلك كانت تهون الحياة على من يسمع هذه الموحيات ، ويعرف مقام الشهادة عند الله .. روى الإمام مالك ... عن يحيى بن سعيد «أن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ رغب في الجهاد وذكر الجنة ؛ ورجل من الأنصار يأكل تمرات في يده. فقال : إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهن! فرمى ما في
__________________
(١) أخرجه الشيخان من حديث مالك.
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
