بهذا الكون وآيات الله فيه في كل لحظة ؛ لا مرة عارضة في زمان محدود ، يشهدها جيل من الناس في مكان محدود.
إن الكون كله هو مجال النظر والتأمل في آيات الله التي لا تنفد ، ولا تذهب ، ولا تغيب. وهو بجملته آية. وكل صغيرة فيه وكبيرة آية. والقلب البشري مدعو في كل لحظة لمشاهدة الخوارق القائمة الدائمة ، والاستماع إلى شهادتها الفاصلة الحاسمة ؛ والاستمتاع كذلك بعجائب الإبداع الممتعة ، التي يلتقي فيها الجمال بالكمال ، والتي تستجيش انفعال الدهش والحيرة مع وجدان الإيمان والاقتناع الهادئ العميق.
وفي مطلع هذه السورة تجيء تلك الإشارة إلى اقتراب الساعة وانشقاق القمر إيقاعا يهز القلب البشري هزا. وهو يتوقع الساعة التي اقتربت ، ويتأمل الآية التي وقعت ، ويتصور أحداث الساعة في ظل هذا الحدث الكوني الذي رآه المخاطبون بهذا الإيقاع المثير.
وفي موضوع اقتراب الساعة روى الإمام أحمد. قال : حدثنا حسين ، حدثنا محمد بن مطوف ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ يقول : «بعثت أنا والساعة هكذا» وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى (١).
ومع اقتراب الموعد المرهوب ، ووقوع الحادث الكوني المثير ، وقيام الآيات التي يرونها في صور شتى .. فإن تلك القلوب كانت تلج في العناد ، وتصر على الضلال ، ولا تتأثر بالوعيد كما لا تتأثر بإيقاع الآيات الكثيرة الكافية للعظة والكف عن التكذيب :
(وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ. وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ. وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ، حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ).
ولقد أعرضوا وقالوا : سحرنا ، وهم يرون آية الله في انشقاق القمر. وكان هذا رأيهم مع آية القرآن. فقالوا : سحر يؤثر. فهذا قولهم كلما رأوا آية. ولما كانت الآيات متوالية متواصلة ، فقد قالوا : إنه سحر مستمر لا ينقطع ، معرضين عن تدبر طبيعة الآيات وحقيقتها ، معرضين كذلك عن دلالتها وشهادتها. وكذبوا بالآيات وبشهادتها. كذبوا اتباعا لأهوائهم لا استنادا إلى حجة ، ولا ارتكانا إلى دليل ، ولا تدبرا للحق الثابت المستقر في كل ما حولهم في هذا الوجود ..
(وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) .. فكل شيء في موضعه في هذا الوجود الكبير. وكل أمر في مكانه الثابت الذي لا يتزعزع ولا يضطرب. فأمر هذا الكون يقوم على الثبات والاستقرار ، لا على الهوى المتقلب ، والمزاج المتغير ؛ أو المصادفة العابرة والارتجال العارض .. كل شيء في موضعه وفي زمانه ، وكل أمر في مكانه وفي إبانه. والاستقرار يحكم كل شيء من حولهم ، ويتجلى في كل شيء : في دورة الأفلاك ، وفي سنن الحياة. وفي أطوار النبات والحيوان. وفي الظواهر الثابتة للأشياء والمواد. لا بل في انتظام وظائف أجسامهم وأعضائهم التي لا سلطان لهم عليها. والتي لا تخضع للأهواء! وبينما هذا الاستقرار يحيط بهم ويسيطر على كل شيء من حولهم ، ويتجلى في كل أمر من بين أيديهم ومن خلفهم .. إذا هم وحدهم مضطربون تتجاذبهم الأهواء! (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) .. أنباء الآيات الكونية التي صرّفها الله لهم في هذا القرآن ؛ وأنباء
__________________
(١) وأخرجه الشيخان من حديث أبي حازم سلمة بن دينار.
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
