إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ هم لك.
وكان عبد الله بن أبي لا يزال صاحب شأن في قومه. فقبل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة ، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح. وبذلك تخلصت المدينة من قطاع يهودي ذي قوة عظيمة.
وأما بنو النضير ، فإن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم. فلما أتاهم قالوا : نعم يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ـ فمن رجل يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟
ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة ، فألهم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعا إلى المدينة ، وأمر بالتهيؤ لحربهم. فتحصنوا منه في الحصون. وأرسل إليهم عبد الله بن أبي ابن سلول (رأس النفاق) أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم. وقذف الله الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال. وسألوا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يجليهم ، ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. ففعل. فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام. ومن أشرافهم ـ ممن سار إلى خيبر ـ سلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب .. هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب.
* * *
والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة. وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلبا على المسلمين مع المشركين ، بتحريض من زعماء بني النضير ، وحيي بن أخطب على رأسهم. وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة.
ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين ، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من أن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حين انتهى إليه الخبر ، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ، ومعهما عبد الله بن رواحة ، وخوات بن جبير ـ رضي الله عنهم ـ فقال : «انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس. وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس» .. (مما يصور ما كان يتوقعه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من وقع الخبر في النفوس).
فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم. نالوا من رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وقالوا : من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد! .. ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بالتلميح لا بالتصريح. فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «الله أكبر. أبشروا يا معشر المسلمين» .. (تثبيتا للمسلمين من وقع الخبر السيء أن يشيع في الصفوف).
ويقول ابن إسحاق : وعظم عند ذلك البلاء ؛ واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم. حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين .. إلخ.
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
