فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب.
فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره ، ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرا ؛ وكفى الله المؤمنين القتال .. رجع النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى المدينة منصورا ، ووضع الناس السلاح ، فبينما رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يغتسل من وعثاء المرابطة ، في بيت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ إذ تبدى له جبريل ـ عليهالسلام ـ فقال : «أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : نعم». قال : «ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم». ثم قال : «إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة» ـ وكانت على أميال من المدينة ـ. وذلك بعد صلاة الظهر. وقال ـ صلىاللهعليهوسلم : «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة». فسار الناس في الطريق ، فأدركتهم الصلاة في الطريق ، فصلّى بعضهم في الطريق ، وقالوا : لم يرد رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلا تعجيل المسير. وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يعنف واحدا من الفريقين.
وتبعهم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم (صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى ..) رضي الله عنه ـ وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ثم نازلهم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس ـ رضي الله عنه ـ لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية. واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك. ولم يعلموا أن سعدا ـ رضي الله عنه ـ كان قد أصابه سهم في أكحله (وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع) أيام الخندق ؛ فكواه رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في أكحله ، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب ؛ وقال سعد ـ رضي الله عنه ـ فيما دعا به : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنا لها ؛ وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ؛ ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله تعالى دعاءه. وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم ، طلبا من تلقاء أنفسهم.
فعند ذلك استدعاه رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من المدينة ليحكم فيهم. فلما أقبل ـ وهو راكب على حمار قد وطأوا له عليه ـ جعل الأوس يلوذون به ، يقولون : يا سعد إنهم مواليك ، فأحسن عليهم. ويرققونه عليهم ويعطفونه. وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال ـ رضي الله عنه ـ : لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم!
فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قال رسول الله : «قوموا إلى سيدكم» فقام إليه المسلمون فأنزلوه ؛ إعظاما وإكراما واحتراما له في محل ولايته ، ليكون أنفذ لحكمه فيهم.
فلما جلس قال له رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «إن هؤلاء ـ وأشار إليهم ـ قد نزلوا على حكمك. فاحكم فيهم بما شئت» فقال ـ رضي الله عنه ـ : وحكمي نافذ عليهم؟ قال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «نعم». قال : وعلى من في هذه الخيمة؟ قال : «نعم». قال : وعلى من هاهنا (وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو معرض بوجهه عن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إجلالا وإكراما وإعظاما). فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «نعم». فقال ـ رضي الله عنه ـ : إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذريتهم وأموالهم. فقال له رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
