المشركون عن صلاة الوسطى صلاة العصر. ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا (١)» ..
وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا فالتقتا ـ ولا يشعر بعضهم ببعض ، ولا يظنون إلا أنهم العدو. فكانت بينهم جراحة وقتل. ثم نادوا بشعار الإسلام! «حم. لا ينصرون» فكف بعضهم عن بعض. فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «جراحكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد» ..
ولقد كان أشد الكرب على المسلمين ، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق ، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم. فلم يكونوا يأمنون في أية لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق ، وأن تميل عليهم يهود ، وهم قلة بين هذه الجموع ، التي جاءت بنية استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة.
ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف :
(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ : ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً) ..
فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل ، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيثة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد ؛ وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله ، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم ؛ فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل ، وروع نفوسهم ترويعا لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين!
ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة ؛ وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء. فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان!
(وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ : يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) ..
فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف ، والعودة إلى بيوتهم ، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا ، لا موضع لها ولا محل ، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم .. وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها ، ثغرة الخوف على النساء والذراري. والخطر محدق والهول جامح ، والظنون لا تثبت ولا تستقر!
(وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ، يَقُولُونَ : إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) ..
يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو. متروكة بلا حماية.
وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة ، ويجردهم من العذر والحجة :
(وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ) ..
ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار :
(إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً) ..
وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يقولون : (إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) ، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا. ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا ، فأذن لنا فلنرجع
__________________
(١) في حديث جابر أن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إنما شغل يومئذ عن صلاة العصر. والظاهر أن ذلك تكرر. فمرة شغل عن العصر فقال ذلك الدعاء. ومرة شغل عن تلك الصلوات كلها ..
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
