ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر (من غطفان) أتى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت. فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة».
(وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة) ..
وخذل الله بينهم ـ وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم (يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد .. إلخ).
فلما انتهى إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ما اختلف من أمرهم ، وما فرق الله من جماعتهم ، دعا حذيفة بن اليمان ، فبعثه إليهم لينظر ما فعله القوم ليلا.
قال ابن إسحاق : فحدثني زيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال :
قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبد الله. أرأيتم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وصحبتموه؟ قال : نعم يا ابن أخي. قال : فكيف كنتم تصنعون؟ قال : والله لقد كنا نجهد. فقال : والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ، ولحملناه على أعناقنا. قال : فقال حذيفة : يا ابن أخي. والله لقد رأيتنا مع رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بالخندق ، وصلّى رسول الله ـ هويا من الليل ؛ ثم التفت إلينا فقال : «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ، ثم يرجع ، يشرط له رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ الرجعة. أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟» فما قام رجل من القوم من شدة الخوف ، وشدة الجوع ، وشدة البرد. فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني. فقال : «يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون ، ولا تحدث شيئا حتى تأتينا» قال : فذهبت فدخلت في القوم ، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، ولا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة : فأخذت الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت : من أنت؟ قال : فلان ابن فلان! ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام. لقد هلك الكراع والخف (يعني الخيل والجمال) وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون. ما تطمئن لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار ، ولا يستمسك لنا بناء .. فارتحلوا فإني مرتحل .. ثم قام إلى جمله وهو معقول ، فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث. فو الله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولو لا عهد رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إليّ ألا تحدث شيئا حتى تأتيني ، ثم شئت لقتلته بسهم.
قال حذيفة : فرجعت إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو قائم يصلي في مرط (أي كساء) لبعض نسائه مرجل (من وشي اليمن) فلما رآني أدخلني إلى رجليه ، وطرح عليّ طرف المرط ؛ ثم ركع وسجد وإني لفيه. فلما سلم أخبرته الخبر .. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
* * *
إن النص القرآني يغفل أسماء الأشخاص ، وأعيان الذوات ، ليصور نماذج البشر وأنماط الطباع. ويغفل تفصيلات الحوادث وجزئيات الوقائع ، ليصور القيم الثابتة والسنن الباقية. هذه التي لا تنتهي بانتهاء الحادث ، ولا تنقطع بذهاب الأشخاص ، ولا تنقضي بانقضاء الملابسات ، ومن ثم تبقى قاعدة ومثلا لكل جيل ولكل قبيل. ويحفل بربط المواقف والحوادث بقدر الله المسيطر على الأحداث والأشخاص ، ويظهر فيها يد الله
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
