هذه سورة «المؤمنون» .. اسمها يدل عليها. ويحدد موضوعها .. فهي تبدأ بصفة المؤمنين ، ثم يستطرد السياق فيها إلى دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق. ثم إلى حقيقة الإيمان كما عرضها رسل الله ـ صلوات الله عليهم ـ من لدن نوح ـ عليهالسلام ـ إلى محمد خاتم الرسل والنبيين ؛ وشبهات المكذبين حول هذه الحقيقة واعتراضاتهم عليها ، ووقوفهم في وجهها ، حتى يستنصر الرسل بربهم ، فيهلك المكذبين ، وينجي المؤمنين .. ثم يستطرد إلى اختلاف الناس ـ بعد الرسل ـ في تلك الحقيقة الواحدة التي لا تتعدد .. ومن هنا يتحدث عن موقف المشركين من الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ويستنكر هذا الموقف الذي ليس له مبرر .. وتنتهي السورة بمشهد من مشاهد القيامة يلقون فيه عاقبة التكذيب ، ويؤنبون على ذلك الموقف المريب ، يختم بتعقيب يقرر التوحيد المطلق والتوجه إلى الله بطلب الرحمة والغفران ..
فهي سورة «المؤمنون» أو هي سورة الإيمان ، بكل قضاياه ودلائله وصفاته. وهو موضوع السورة ومحورها الأصيل.
* * *
ويمضي سياق السورة في أربعة أشواط :
يبدأ الشوط الأول بتقرير الفلاح للمؤمنين : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) .. ويبين صفات المؤمنين هؤلاء الذين كتب لهم الفلاح .. ويثني بدلائل الإيمان في الأنفس والآفاق ، فيعرض أطوار الحياة الإنسانية منذ نشأتها الأولى إلى نهايتها في الحياة الدنيا متوسعا في عرض أطوار الجنين ، مجملا في عرض المراحل الأخرى .. ثم يتابع خط الحياة البشرية إلى البعث يوم القيامة .. وبعد ذلك ينتقل من الحياة الإنسانية إلى الدلائل الكونية : في خلق السماء ، وفي إنزال الماء ، وفي إنبات الزرع والثمار. ثم إلى الأنعام المسخرة للإنسان ؛ والفلك التي يحمل عليها وعلى الحيوان.
فأما الشوط الثاني فينتقل من دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق إلى حقيقة الإيمان. حقيقته الواحدة التي توافق عليها الرسل دون استثناء : (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) .. قالها نوح ـ عليهالسلام ـ وقالها كل من جاء بعده من الرسل ، حتى انتهت إلى محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وكان اعتراض المكذبين دائما : (ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ!) .. (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) .. وكان اعتراضهم كذلك : (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ؟) .. وكانت العاقبة دائما أن يلجأ الرسل إلى ربهم يطلبون نصره ، وأن يستجيب الله لرسله ، فيهلك المكذبين .. وينتهي الشوط بنداء للرسل جميعا : (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً ، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ).
والشوط الثالث يتحدث عن تفرق الناس ـ بعد الرسل ـ وتنازعهم حول تلك الحقيقة الواحدة. التي جاءوا بها : (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). وعن غفلتهم عن ابتلاء الله لهم بالنعمة ، واغترارهم بما هم فيه من متاع. بينما المؤمنون مشفقون من خشية ربهم ، يعبدونه ولا يشركون به ، وهم مع ذلك دائموا الخوف والحذر (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) .. وهنا يرسم مشهدا لأولئك الغافلين المغرورين يوم يأخذهم العذاب فإذا هم يجأرون ؛ فيأخذهم التوبيخ والتأنيب : (قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ، مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ) .. ويستنكر السياق موقفهم العجيب من رسولهم الأمين ، وهم يعرفونه ولا ينكرونه ؛ وقد جاءهم بالحق لا يسألهم عليه أجرا. فماذا ينكرون منه ومن
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
