الحق الذي جاءهم به؟ وهم يسلمون بملكية الله لمن في السماوات والأرض ، وربوبيته للسماوات والأرض ، وسيطرته على كل شيء في السماوات والأرض. وبعد هذا التسليم هم ينكرون البعث ، ويزعمون لله ولدا سبحانه! ويشركون به آلهة أخرى (فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
والشوط الأخير يدعهم وشركهم وزعمهم ؛ ويتوجه بالخطاب إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن (١) ، وأن يستعيذ بالله من الشياطين ، فلا يغضب ولا يضيق صدره بما يقولون .. وإلى جوار هذا مشهد من مشاهد القيامة يصور ما ينتظرهم هناك من عذاب ومهانة وتأنيب .. وتختم السورة بتنزيه الله سبحانه : (فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ). وبنفي الفلاح عن الكافرين في مقابل تقرير الفلاح في أول السورة للمؤمنين : (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ). وبالتوجه إلى الله طلبا للرحمة والغفران : (وَقُلْ : رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ).
* * *
جو السورة كلها هو جو البيان والتقرير ، وجو الجدل الهادئ ، والمنطق الوجداني ، واللمسات الموحية للفكر والضمير. والظل الذي يغلب عليها هو الظل الذي يلقيه موضوعها .. الإيمان .. ففي مطلعها مشهد الخشوع في الصلاة : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ). وفي صفات المؤمنين في وسطها : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) .. وفي اللمسات الوجدانية : (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ).
وكلها مظلّلة بذلك الظل الإيماني اللطيف.
* * *
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ .. أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ).
إنه الوعد الصادق ، بل القرار الأكيد بفلاح المؤمنين. وعد الله لا يخلف الله وعده ؛ وقرار الله لا يملك أحد رده. الفلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة. فلاح الفرد المؤمن وفلاح الجماعة المؤمنة. الفلاح الذي يحسه المؤمن بقلبه ويجد مصداقه في واقع حياته ؛ والذي يشمل ما يعرفه الناس من معاني الفلاح ، وما لا يعرفونه مما يدخره الله لعباده المؤمنين.
فمن هم المؤمنون الذين كتب الله لهم هذه الوثيقة ، ووعدهم هذا الوعد ، وأعلن عن فلاحهم هذا الإعلان؟
من هم المؤمنون المكتوب لهم الخير والنصر والسعادة والتوفيق والمتاع الطيب في الأرض؟ والمكتوب لهم الفوز والنجاة ، والثواب والرضوان في الآخرة؟ ثم ما شاء الله غير هذا وذلك في الدارين مما لا يعلمه إلا الله؟
__________________
(١) السورة مكية. ولم يكن المسلمون حينئذ مأمورين بدفع العدوان بالعدوان.
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
