وسلم ـ بما تضمنه من التبشير به ، كما يصدقه بما فيه من مطابقة للأصول الاعتقادية التي يقوم عليها دين الله كله ..
يقول : أفمن كان هذا شأنه يكون موضعا للتكذيب والكفر والعناد كما تفعل الأحزاب التي تناوئه من شتى فئات المشركين؟ إنه لأمر مستنكر إذن في مواجهة هذه الشواهد المتضافرة من شتى الجهات ..
ثم يعرض مواقف الذين يؤمنون بهذا القرآن والذين يكفرون به من الأحزاب ، وما ينتظر هؤلاء من جزاء في الآخرة. ويعرج على تثبيت الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والذين يؤمنون بما معه من الحق ؛ فلا يقلقهم شأن المكذبين الكافرين ، وهم كثرة الناس في ذلك الحين :
(أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) ..
وقد وجد بعض المفسرين إشكالا في قوله تعالى : (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) إذا كان المقصود بقوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) هو شخص رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ كما أسلفنا .. فإن «أولئك» تعني جماعة يؤمنون بهذا الوحي وبتلك البينة .. ولا إشكال هناك. فالضمير في قوله تعالى (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) يعود على «شاهد» وهو القرآن. وكذلك الضمير في قوله تعالى (وَمِنْ قَبْلِهِ) فإنه يعود على القرآن كما أسلفنا .. فلا إشكال في أن يقول : (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) ـ أي بهذا الشاهد أي بهذا القرآن ـ والرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ هو أول من آمن بما أنزل إليه ، ثم تبعه المؤمنون : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ. كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ...) كما جاء في آية البقرة .. والآية هنا تشير إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وتدمج معه المؤمنين الذين آمنوا بما آمن به هو وبلغهم إياه .. وهو أمر مألوف في التعبير القرآني ، ولا إشكال فيه.
(وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) ..
وهو موعد لا يخلف ، والله سبحانه هو الذي قدره ودبره!
(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) ..
وما شك رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فيما أوحي إليه ، ولا امترى ـ وهو على بينة من ربه ـ ولكن هذا التوجيه الرباني عقب حشد هذه الدلائل والشواهد يشي بما كان يخالج نفس رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من ضيق وتعب ووحشة من جراء تجمد الدعوة وكثرة المعاندين ، تحتاج كلها إلى التسرية عنه بهذا التوجيه والتثبيت. وكذلك ما كان يخالج قلوب القلة المسلمة من ضيق وكرب يحتاج إلى برد اليقين يتنزل عليهم من ربهم الرحيم.
وما أحوج طلائع البعث الإسلامي ؛ وهي تواجه مثل تلك الحال في كل مكان ؛ ويتآزر عليها الصد والإعراض ، والسخرية والاستهزاء ، والتعذيب والإيذاء ؛ والمطاردة بكل صورها المادية والمعنوية ؛ وتتضافر عليها كل قوى الجاهلية في الأرض من محلية وعالمية ؛ وتسلط عليها أبشع ألوان الحرب وأنكدها ؛ ثم تدق الطبول وتنصب الرايات لمن يحاربونها هذه الحرب ومن يطاردونها هذه المطاردة ...
ما أحوج هذه الطلائع إلى تدبر هذه الآية بكل فقرة فيها ، وبكل إشارة ، وبكل لمحة فيها وكل إيماءة! ما أحوجها إلى اليقين الذي يحمله التوكيد الرباني الحكيم :
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
