إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة ؛ ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها. والذين يتلمسون معاني القرآن ودلالاته وهم قاعدون. يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة ؛ بعيدا عن المعركة وبعيدا عن الحركة .. إن حقيقة هذا القرآن لا تتكشف للقاعدين أبدا ، وإن سره لا يتجلى لمن يؤثرون السلامة والراحة مع العبودية لغير الله ، والدينونة للطاغوت من دون الله!
(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ، وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ، وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً؟ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) ..
وردت روايات شتى فيما هو المقصود بقوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) .. وفي قوله تعالى : (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ). وفي عائد هذه الضمائر في : «ربه» وفي «يتلوه» وفي «منه» .. وأرجحها ـ كما يبدو لي ـ هو أن المقصود بقوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) هو رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وبالتبعية له كل من يؤمن بما جاء به ـ وأن المقصود بقوله تعالى : (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) أي ويتبعه شاهد من ربه على نبوته ورسالته. وهو هذا القرآن الذي يشهد بذاته أنه وحي من الله لا يقدر عليه بشر. (وَمِنْ قَبْلِهِ) ـ أي من قبل هذا الشاهد وهو القرآن ؛ «كتاب موسى» يشهد كذلك بصدق النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ سواء بما تضمنه من البشارة به ؛ أو بموافقة أصله لما جاء به محمد من بعده.
والذي يرجح هذا عندي هو وحدة التعبير القرآني في السورة ـ في تصوير ما بين الرسل الكرام وربهم ، من بينة يجدونها في أنفسهم ، يستيقنون معها أن الله هو الذي يوحي إليهم ، ويجدون بها ربهم في قلوبهم وجودا مستيقنا واضحا لا يخالجهم معه شك ولا ريبة. فنوح ـ عليهالسلام ـ يقول لقومه : (يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ، أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ؟) .. وصالح عليهالسلام يقول الكلمة ذاتها : «قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير» .. وشعيب عليهالسلام يقولها كذلك : «قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، ورزقني منه رزقا ..» فهو تعبير موحد عن حال واحدة للرسل الكرام مع ربهم ، تصور حقيقة ما يجدونه في أنفسهم من رؤية قلبية مستقينة لحقيقة الألوهية في نفوسهم ؛ ولصدق اتصال ربهم بهم عن طريق الوحي أيضا .. وهذا التوحيد في التعبير عن الحال الواحدة مقصود قصدا في سياق السورة ـ كما أسلفنا في التعريف بها ـ لإثبات أن شأن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ مع ربه ومع الوحي الذي تنزل عليه شأن سائر الرسل الكرام قبله ؛ مما يبطل دعاوى المشركين المفتراة عليه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وكذلك لتثبيته هو والقلة المؤمنة معه على الحق الذي معهم ؛ فهو الحق الواحد الذي جاء به الرسل جميعا ، والذي أسلم عليه المسلمون من أتباع الرسل جميعا.
ويكون المعنى الكلي للآية : أفهذا النبي الذي تتضافر الأدلة والشواهد على صدقه وصحة إيمانه ويقينه .. حيث يجد في نفسه بينة واضحة مستيقنة من ربه. وحيث يتبعه ـ أو يتبع يقينه هذا ـ شاهد من ربه هو هذا القرآن الدال بخصائصه على مصدره الرباني. وحيث يقوم على تصديقه شاهد آخر قبله ، هو كتاب موسى الذي جاء إماما لقيادة بني إسرائيل ورحمة من الله تنزلت عليهم. وهو يصدق رسول الله ـ صلى الله عليه
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
