ومن ثم جاء التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد بالأمر وبالنهي معا ؛ بحيث يؤكد أحدهما الآخر ، التوكيد الذي لا تبقى معه ثغرة ينفذ منها الشرك في صورة من صوره الكثيرة ..
وقد تكرر مثل هذا في التعبير القرآني في مواضع شتى ؛ هذه نماذج منها من هذه السورة ومن سواها :
* (الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ، إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) .. (هود : ١ ـ ٢)
* (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ : إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ : أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) ... (هود : ٢٥ ـ ٢٦)
* (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ، قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) .. (هود : ٥٠)
* (وَقالَ اللهُ : لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ. إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ. فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) ...(النحل : ٥١)
* (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا. وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً. وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .. (آل عمران : ٦٧)
*(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً. وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ... (الأنعام : ٧٩)
وهو منهج مطرد في التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد ، له دلالته من غير شك. سواء في تجلية قيمة هذه الحقيقة وضخامتها التي تستدعي ألا توكل في أي جانب من جوانبها إلى المفهومات الضمنية والمقتضيات اللازمة ، وإنما ينص نصا منطوقا على كل جانب فيها. أو في دلالة هذه الطريقة على علم الله ـ سبحانه ـ بطبيعة الكائن الإنساني ، وحاجته في تقرير هذه الحقيقة الكبيرة ، وصيانتها في حسه وتصوره من أية شبهة أو غبش ، إلى التعبير الدقيق عنها على ذلك النحو ، الذي يتجلى فيه القصد والعمد .. ولله الحكمة البالغة .. وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير.
* * *
ثم نقف أمام مدلول مصطلح «العبادة» الوارد في السورة ـ وفي القرآن كله ـ لندرك ما وراء ذلك التركيز على الأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن عبادة غيره. وما وراء هذه العناية في التعبير عن شطري هذه الحقيقة في نص منطوق ، وعدم الاكتفاء بالدلالة الضمنية المفهومة.
لقد جلينا من قبل في أثناء التعقيب على قصة هود وقومه ـ في هذه السورة ـ ما هو مدلول مصطلح «العبادة» الذي استحق كل هذا التركيز وكل هذه العناية ؛ كما استحق كل ذلك الجهد من رهط الرسل الكرام ، وكل تلك العذابات والآلام التي عاناها الدعاة إلى عبادة الله وحده على ممر الأيام (١) .. فالآن نضيف إلى ذلك التعقيب بعض اللمحات :
إن إطلاق مصطلح «العبادات» على الشعائر وعلى ما يكون بين العبد والرب من تعامل ، في مقابل إطلاق
__________________
(١) ص ١٨٩٧ ـ ١٨٩٩ من هذا الجزء.
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
