الدين كله لله؟! إنه لأمر لا يتصور عقلا .. ولا يمكن أن يكون هذا هو أمر الله فعلا!
ولكن فات هؤلاء جميعا أن يروا متى كان هذا الأمر؟ وفي أي ظرف؟ لقد كان بعد أن قامت للإسلام دولة تحكم بحكم الله ؛ دانت لها الجزيرة العربية ودخلت في هذا الدين ، ونظمت على أساسه. وقبل ذلك كله كانت هناك العصبة المسلمة التي باعت أنفسها لله بيعة صدق ، فنصرها الله يوما بعد يوم ، وغزوة بعد غزوة ، ومرحلة بعد مرحلة .. وأن الزمان قد استدار اليوم كهيئته يوم بعث الله محمدا ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ليدعو الناس ـ في جاهليتهم ـ إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فجاهد والقلة التي معه حتى قامت الدولة المسلمة في المدينة. وأن الأمر بالقتال مر بمراحل وأحكام مترقية حتى انتهى إلى تلك الصورة الأخيرة .. وأن بين الناس اليوم وهذه الصورة أن يبدأوا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول .. ثم يصلوا ـ يوم أن يصلوا ـ إلى هذه الصورة الأخيرة بإذن الله .. ويومئذ لن يكونوا هم هذا الغثاء الذي تتقاسمه المذاهب والمناهج والأهواء ؛ والذي تتقاسمه الرايات القومية والجنسية والعنصرية. ولكنهم سيكونون العصبة المسلمة الواحدة التي ترفع راية : لا إله إلا الله. ولا ترفع معها راية أخرى ولا شعارا ، ولا تتخذ لها مذهبا ولا منهجا من صنع العبيد في الأرض ؛ إنما تنطلق باسم الله وعلى بركة الله ..
إن الناس لا يستطيعون أن يفقهوا أحكام هذا الدين ، وهم في مثل ما هم فيه من الهزال! إنه لن يفقه أحكام هذا الدين إلا الذين يجاهدون في حركة تستهدف تقرير ألوهية الله وحده في الأرض ومكافحة ألوهية الطواغيت!
إن فقه هذا الدين لا يجوز أن يؤخذ عن القاعدين ، الذين يتعاملون مع الكتب والأوراق الباردة! إن فقه هذا الدين فقه حياة وحركة وانطلاق. وحفظ ما في متون الكتب. والتعامل مع النصوص في غير حركة ، لا يؤهل لفقه هذا الدين ، ولم يكن مؤهلا له في يوم من الأيام!
وأخيرا فإن الظروف التي نزل فيها قول الله تعالى :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ..
تشير إلى أن أول المقصودين به كانوا هم الروم .. وهم أهل كتاب .. ولكن لقد سبق في السورة تقرير كفرهم الاعتقادي والعملي ، بما في عقيدتهم من انحراف ، وبما في واقعهم من تحكيم شرائع العبيد ..
وهذه لفتة لا بد من الوقوف عندها لفقه منهج هذا الدين في الحركة تجاه أهل الكتاب ، المنحرفين عن كتابهم ، المحتكمين إلى شرائع من صنع رجال فيهم! .. وهي قاعدة تشمل كل أهل كتاب يتحاكمون ـ راضين ـ إلى شرائع من صنع الرجال وفيهم شريعة الله وكتابه ، في أي زمان وفي أي مكان!
ثم لقد أمر الله المسلمين أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار وليجدوا فيهم غلظة ، وعقب على هذا الأمر بقوله :
(أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ..
ولهذا التعقيب دلالته .. فالتقوى هنا .. التقوى التي يحب الله أهلها .. هي التقوى التي تنطلق في الأرض تقاتل من يلون المسلمين من الكفار ؛ وتقاتلهم في «غلظة» أي بلا هوادة ولا تميع ولا تراجع .. حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ولكنه ينبغي أن نعرف وأن يعرف الناس جميعا أنها الغلظة على الذين من شأنهم أن يحاربوا وحدهم ـ وفي حدود الآداب العامة لهذا الدين ـ وليست هي الغلظة المطلقة من كل قيد وأدب!
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
