صلىاللهعليهوسلم ـ مع تنبيهه إلى أن الأولى كان هو التريث حتى يتبين الصادقين في أعذارهم من الكاذبين المتمحلين!
وتوبته على المهاجرين والأنصار يشير النص الذي بين أيدينا إلى ملابساتها في قوله تعالى : (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) .. وقد كان بعضهم تثاقل في الخروج ثم لحق بالركب كما سنفصل ـ وهم من خلص المؤمنين ـ وبعضهم استمع للمنافقين المرجفين بهول لقاء الروم! ثم ثبت الله قلبه ومضى بعد تردد.
ويحسن أن نستعرض بعض ظروف الغزوة وملابساتها لنعيش في جوها الذي يقرر الله ـ سبحانه ـ أنه كان «ساعة العسرة». ولندرك طبيعة الانفعالات والحركات التي صاحبتها (ونحن نلخص في هذا من السيرة لابن هشام ، ومن إمتاع الأسماع للمقريزي ، ومن البداية والنهاية لابن كثير ، ومن تفسير ابن كثير) :
لما نزل قوله تعالى : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ...) أمر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم (ويلاحظ أن الاشتباك بالروم كان قد سبق نزول هذه الآيات في غزوة مؤتة فهذا الأمر الأخير إنما جاء تقريرا للخطة الدائمة المستقرة في آخر ما نزل من القرآن) وذلك في زمن عسرة من الناس ، وشدة من الحر ، وجدب من البلاء ، وحين طابت الثمار ، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص على الحال والزمان الذي هم عليه. وكان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها ، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له (أي يقصد إليه) إلا ما كان من غزوة تبوك ، فإنه بينها للناس ، لبعد الشقة ، وشدة الزمان ، وكثرة العدو الذي يصمد له ، ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمر الناس بالجهاز ، وأخبرهم أنه يريد الروم.
واستأذن بعض المنافقين رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في التخلف مخافة الفتنة ببنات الروم! فأذن! وفي هذا نزل عتاب الله لنبيه في الإذن مصدرا بالعفو عنه في اجتهاده : (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ؟) ..
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض : لا تنفروا في الحر ـ زهادة في الجهاد ، وشكا في الحق ، وإرجافا برسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم : «وقالوا : لا تنفروا في الحر ، قل : نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون».
وبلغ رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي ، يثبطون الناس عن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في غزوة تبوك ؛ فبعث إليهم النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ طلحة ابن عبيد الله في نفر من أصحابه ، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ، ففعل طلحة ، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله ، واقتحم أصحابه فأفلتوا. ثم تاب الضحاك.
ثم إن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والإسراع. وحض أهل الغنى على النفقة وحمل المجاهدين الذين لا يجدون ما يركبون ؛ فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين عند الله. وكان في مقدمة المنفقين المحتسبين ، عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ فأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها .. قال ابن هشام : فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار ، فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض». وقال عبد الله بن أحمد في مسند أبيه ـ
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
