عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي (١)».
وعن عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يسألانه من الصدقة ، فقلب فيهما البصر ، فرآهما جلدين ، فقال : «إن شئتما أعطيتكما. ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب (٢)».
إن الزكاة فرع من فروع نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام. وهذا النظام أشمل وأوسع كثيرا من الزكاة ؛ لأنه يتمثل في عدة خطوط تشمل فروع الحياة كلها ، ونواحي الارتباطات البشرية بأكملها ، والزكاة خط أساسي من هذه الخطوط (٣) :
والزكاة تجمع بنسبة العشر ونصف العشر وربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال. وهي تجمع من كل من يملك حوالي عشرين جنيها فائضة عن حاجته يحول عليها الحول. وبذلك يشترك في حصيلتها معظم أفراد الأمة. ثم تنفق في المصارف التي بينتها الآية هنا ، وأول المستحق لها هم الفقراء والمساكين. والفقراء هم الذين يجدون دون الكفاية ، والمساكين مثلهم ولكنهم هم الذين يتجملون فلا يبدون حاجتهم ولا يسألون.
وإن كثيرا ممن يؤدون الزكاة في عام ، قد يكونون في العام التالي مستحقين للزكاة. بنقص ما في أيديهم عن الوفاء بحاجاتهم. فهي من هذه الناحية تأمين اجتماعي. وبعضهم يكون لم يؤد شيئا في حصيلة الزكاة ولكنه يستحقها. فهي من هذه الناحية ضمان اجتماعي .. وهي قبل هذا وذاك فريضة من الله ، تزكو النفس بأدائها وهي إنما تعبد بها الله ، وتخلص من الشح وتستعلي عليه في هذا الأداء.
(إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ) .. وقد سبق بيانهما.
(وَالْعامِلِينَ عَلَيْها) .. أي الذين يقومون على تحصيلها.
(وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) .. وهم طوائف ، منهم الذين دخلوا حديثا في الإسلام ويراد تثبيتهم عليه. ومنهم الذين يرجى أن تتألف قلوبهم فيسلموا. ومنهم الذين أسلموا وثبتوا ويرجى تأليف قلوب أمثالهم في قومهم ليثوبوا إلى الإسلام حين يرون إخوانهم يرزقون ويزادون .. وهناك خلاف فقهي حول سقوط سهم هؤلاء المؤلفة قلوبهم بعد غلبة الإسلام .. ولكن المنهج الحركي لهذا الدين سيظل يواجه في مراحله المتعددة كثيرا من الحالات ، تحتاج إلى إعطاء جماعة من الناس على هذا الوجه ؛ إما إعانة لهم على الثبات على الإسلام إن كانوا يحاربون في أرزاقهم لإسلامهم ، وإما تقريبا لهم من الإسلام كبعض الشخصيات غير المسلمة التي يرجى أن تنفع الإسلام بالدعوة له والذب عنه هنا وهناك. ندرك هذه الحقيقة ، فنرى مظهرا لكمال حكمة الله في تدبيره لأمر المسلمين على اختلاف الظروف والأحوال.
(وَفِي الرِّقابِ) .. ذلك حين كان الرق نظاما عالميا ، تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمين وأعدائهم. ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل حتى يتعارف العالم على نظام آخر غير الاسترقاق .. وهذا السهم كان يستخدم في إعانة من يكاتب سيده على الحرية في نظير مبلغ يؤديه له ، ليحصل على حريته
__________________
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
(٢) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
(٣) يراجع فصل «التكافل الاجتماعي في كتاب : «العدالة الاجتماعية». وفي كتاب : «دراسات إسلامية» كما يراجع تفسير الجزء الثالث من هذه الظلال : أو آخر سورة البقرة «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
