وفضة ، فقال : يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت ، فقال نبي الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟»
وعلى أية حال فالنص القرآني يقرر أن القولة قولة فريق من المنافقين. يقولونها لا غيرة على الدين ، ولكن غضبا على حظ أنفسهم ، وغيظا أن لم يكن لهم نصيب .. وهي آية نفاقهم الصريحة ، فما يشك في خلق الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ مؤمن بهذا الدين ، وهو المعروف حتى قبل الرسالة بأنه الصادق الأمين. والعدل فرع من أمانات الله التي ناطها بالمؤمنين فضلا على نبي المؤمنين .. وواضح أن هذه النصوص تحكي وقائع وظواهر وقعت من قبل ، ولكنها تتحدث عنها في ثنايا الغزوة لتصوير أحوال المنافقين الدائمة المتصلة قبل الغزوة وفي ثناياها.
وبهذه المناسبة يرسم السياق الطريق اللائق بالمؤمنين الصادقي الإيمان :
(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَقالُوا : حَسْبُنَا اللهُ ، سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ. إِنَّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ) ..
فهذا هو أدب النفس وأدب اللسان ، وأدب الإيمان : الرضا بقسمة الله ورسوله ، رضا التسليم والاقتناع لا رضا القهر والغلب. والاكتفاء بالله ، والله كاف عبده. والرجاء في فضل الله ورسوله والرغبة في الله خالصة من كل كسب مادي ، ومن كل طمع دنيوي .. ذلك أدب الإيمان الصحيح الذي ينضح به قلب المؤمن. وإن كانت لا تعرفه قلوب المنافقين ، الذين لم تخالط بشاشة الإيمان أرواحهم ، ولم يشرق في قلوبهم نور اليقين.
وبعد بيان هذا الأدب اللائق في حق الله وحق رسوله ، تطوعا ورضا وإسلاما ، يقرر أن الأمر ـ مع ذلك ـ ليس أمر الرسول ؛ إنما هو أمر الله وفريضته وقسمته ، وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين. فهذه الصدقات ـ أي الزكاة ـ تؤخذ من الأغنياء فريضة من الله ، وترد على الفقراء فريضة من الله. وهي محصورة في طوائف من الناس يعينهم القرآن ، وليست متروكة لاختيار أحد ، حتى ولا اختيار الرسول :
(إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ. فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ..
وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة الله ، ومكانها في النظام الإسلامي ، لا تطوعا ولا تفضلا ممن فرضت عليهم. فهي فريضة محتمة. ولا منحة ولا جزافا من القاسم الموزع. فهي فريضة معلومة. إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدي بها خدمة اجتماعية محددة. وهي ليست إحسانا من المعطي وليست شحاذة من الآخذ .. كلا فما قام النظام الاجتماعي في الإسلام على التسول ، ولن يقوم!
ن قوام الحياة في النظام الإسلامي هو العمل ـ بكل صنوفه وألوانه ـ وعلى الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه ، وأن تمكنه منه بالإعداد له ، وبتوفير وسائله ، وبضمان الجزاء الأوفى عليه ، وليس للقادرين على العمل من حق في الزكاة ، فالزكاة ضريبة تكافل اجتماعي بين القادرين والعاجزين ، تنظمها الدولة وتتولاها في الجمع والتوزيع ؛ متى قام المجتمع على أساس الإسلام الصحيح ، منفذا شريعة الله ، لا يبتغي له شرعا ولا منهجا سواه
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
