التي يحاولون سترها ، فلا يستطيعون. فمنهم من يلمز النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في توزيع الصدقات ، ويتهم عدالته في التوزيع ، وهو المعصوم ذو الخلق العظيم ، ومنهم من يقول : هو اذن يستمع لكل قائل ، ويصدق كل ما يقال ، وهو النبي الفطن البصير ، المفكر المدبر الحكيم. ومنهم من يتخفى بالقولة الفاجرة الكافرة ، حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف ليبرئ نفسه من تبعة ما قال. ومنهم من يخشى أن ينزل الله على رسوله سورة تفضح نفاقهم وتكشفهم للمسلمين.
ويعقب على استعراض هذه الصنوف من المنافقين ، ببيان طبيعة النفاق والمنافقين ، ويربط بينهم وبين الكفار الذين خلوا من قبل ، فأهلكهم الله بعد ما استمتعوا بنصيبهم إلى أجل معلوم. ذلك ليكشف عن الفوارق بين طبيعتهم هذه وطبيعة المؤمنين الصادقين ، الذين يخلصون العقيدة ولا ينافقون.
* * *
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَقالُوا : حَسْبُنَا اللهُ ، سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ، إِنَّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ. إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ، وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، وَفِي الرِّقابِ ، وَالْغارِمِينَ ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ..
من المنافقين من يغمزك بالقول ، ويعيب عدالتك في توزيع الصدقات ، ويدعي أنك تحابي في قسمتها. وهم لا يقولون ذلك غضبا للعدل ، ولا حماسة للحق ، ولا غيرة على الدين ، إنما يقولونه لحساب ذواتهم وأطماعهم ، وحماسة لمنفعتهم وأنانيتهم :
(فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا) ولم يبالوا الحق والعدل والدين!
(وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ)!
وقد وردت روايات متعددة عن سبب نزول الآية ، تقص حوادث معينة عن أشخاص بأعيانهم لمزوا الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في عدالة التوزيع.
روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : بينما النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصر التميمي ، فقال : أعدل يا رسول الله. فقال : «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟» فقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم في الرمية ...» قال أبو سعيد ، فنزلت فيهم : «ومنهم من يلمزك في الصدقات».
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : «لما قسم النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ غنائم حنين سمعت رجلا يقول : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فأتيت النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فذكرت له ذلك فقال : «رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ونزل «ومنهم من يلمزك في الصدقات» وروى سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال : أتي النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بصدقة فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت ، ورآه رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل. فنزلت هذه الآية.
وقال قتادة في قوله : «ومنهم من يلمزك في الصدقات» يقول : ومنهم من يطعن عليك في الصدقات. وذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو يقسم ذهبا
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
