ببنوة عزير لله أو بنوة المسيح لله لا يمكن أن يقال عنه : إنه يؤمن بالله. وكذلك الذي يقول : إن الله هو المسيح ابن مريم. أو إن الله ثالث ثلاثة. أو إن الله تجسد في المسيح ... إلى آخر التصورات الكنسية التي صاغتها المجامع المقدسة على كل ما بينها من خلاف! .. والذين يقولون : إنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات مهما ارتكبوا من آثام بسبب أنهم أبناء الله وأحباؤه وشعب الله المختار ، والذين يقولون : إن كل معصية تغفر بالاتحاد بالمسيح وتناول العشاء المقدس ؛ وأنه لا مغفرة إلا عن هذا الطريق! هؤلاء وهؤلاء لا يقال : إنهم يؤمنون باليوم الآخر ..
وهذه الآية تصف أهل الكتاب هؤلاء بأنهم (لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ). وسواء كان المقصود بكلمة «رسوله» هو رسولهم الذي أرسل إليهم ، أو هو النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فالفحوى واحدة. ذلك أن الآيات التالية فسرت هذا بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل. وأكل أموال الناس بالباطل محرم في كل رسالة وعلى يد كل رسول .. وأقرب النماذج لأكل أموال الناس بالباطل هو المعاملات الربوية. وهو ما يأخذه رجال الكنيسة مقابل «صك الغفران»! وهو الصد عن دين الله والوقوف في وجهه بالقوة وفتنة المؤمنين عن دينهم. وهو تعبيد العباد لغير الله وإخضاعهم لأحكام وشرائع لم ينزلها الله .. فهذا كله ينطبق عليه : (وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ) .. وهذا كله قائم في أهل الكتاب ، كما كان قائما يومذاك! كذلك تصفهم الآية بأنهم (لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) .. وهذا واضح مما سبق بيانه. فليس بدين الحق أي اعتقاد بربوبية أحد مع الله. كما أنه ليس بدين الحق التعامل بشريعة غير شريعة الله ، وتلقي الأحكام من غير الله ، والدينونة لسلطان غير سلطان الله. وهذا كله قائم في أهل الكتاب ، كما كان قائما فيهم يومذاك ..
والشرط الذي يشترطه النص للكف عن قتالهم ليس أن يسلموا .. فلا إكراه في الدين. ولكن أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .. فما حكمة هذا الشرط ، ولما ذا كانت هذه هي الغاية التي ينتهي عندها القتال؟
إن أهل الكتاب بصفاتهم تلك حرب على دين الله اعتقادا وسلوكا ؛ كما أنهم حرب على المجتمع المسلم بحكم طبيعة التعارض والتصادم الذاتيين بين منهج الله ومنهج الجاهلية الممثلة في عقيدة أهل الكتاب وواقعهم ـ وفق ما تصوره هذه الآيات ـ كما أن الواقع التاريخي قد أثبت حقيقة التعارض وطبيعة التصادم ؛ وعدم إمكان التعايش بين المنهجين ؛ وذلك بوقوف أهل الكتاب في وجه دين الله فعلا ، وإعلان الحرب عليه وعلى أهله بلا هوادة خلال الفترة السابقة لنزول هذه الآية (وخلال الفترة اللاحقة لها إلى اليوم أيضا!).
والإسلام ـ بوصفه دين الحق الوحيد القائم في الأرض ـ لا بد أن ينطلق لإزالة العوائق المادية من وجهه ؛ ولتحرير الإنسان من الدينونة بغير دين الحق ؛ على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار ، بلا إكراه منه ولا من تلك العوائق المادية كذلك.
وإذن فإن الوسيلة العملية لضمان إزالة العوائق المادية ، وعدم الإكراه على اعتناق الإسلام في الوقت نفسه ، هي كسر شوكة السلطات القائمة على غير دين الحق ؛ حتى تستسلم ؛ وتعلن استسلامها بقبول إعطاء الجزية فعلا.
وعندئذ تتم عملية التحرير فعلا ، بضمان الحرية لكل فرد أن يختار دين الحق عن اقتناع. فإن لم يقتنع بقي على عقيدته ، وأعطى الجزية. لتحقيق عدة أهداف :
أولها : أن يعلن بإعطائها استسلامه وعدم مقاومته بالقوة المادية للدعوة إلى دين الله الحق.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
