فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق ، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر ، فإذا انسلخت قاتلهم. فقتل الناقض لعهده ؛ وأجل من لا عهد له ، أو له عهد مطلق ، أربعة أشهر. وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته ، فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم. وضرب على أهل الذمة الجزية ... إلخ» ..
ومن مراجعة هذا التلخيص الجيد ، ومراجعة أحداث السيرة ، وتاريخ نزول السور والآيات التي تتضمن هذه الأحكام ، يتبين لنا أن آيات سورة الأنفال التي نحن بصددها هنا ، تمثل مرحلة وسيطة بين ما كان عليه الحال أول العهد بالمدينة ، وما انتهى إليه الحال بعد نزول سورة براءة. ويجب أن تدرس هذه النصوص في ضوء هذه الاعتبارات .. ومع أنها تقرر بعض القواعد الأساسية ، إلا أنها لا تمثلها في صورتها النهائية. فالصورة النهائية تمثلها نصوص سورة براءة ، والتطبيقات العملية لها في أواخر حياة رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ كما سيأتي ..
وفي ضوء هذا البيان نستطيع أن نواجه هذه النصوص القرآنية :
* * *
(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) ..
ولفظ «الدواب» وإن كان يشمل كل ما دب على الأرض ، فيشمل الأناسي فيما يشمل ، إلا أنه ـ كما أسلفنا ـ يلقي ظلا خاصا حين يطلق على الآدميين .. ظل البهيمة .. ثم يصبح هؤلاء الآدميون شر البهيمة التي تدب على الأرض! وهؤلاء هم الذين كفروا حتى بلغ بهم الكفر ألا يصير حالهم إلى الإيمان! وهم الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ولا يتقون الله في مرة!
وقد وردت روايات متعددة في المقصودين بهذا النص .. قيل : إنهم بنو قريظة ، وقيل : إنهم بنو النضير. وقيل : إنهم بنو قينقاع. وقيل : إنهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين .. والنص والواقع التاريخي كلاهما يحتمل أن يكونوا هؤلاء جميعا. فلقد نقض اليهود عهودهم مع رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ طائفة طائفة ، كما أنه قد تكرر نقض المشركين لعهودهم أيضا .. والمهم أن نعلم أن هذه النصوص تتحدث عن حالة واقعة قبل بدر وبعدها ، إلى حين نزول هذه الآيات. ولكن الحكم الصادر فيها ، المصور لطبيعة الناقضين للعهد يصور حالة دائمة ، ويقرر صفة ثابتة ..
فهؤلاء الذين كفروا ولجّوا في الكفر (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) .. ففسدت بذلك فطرتهم ، وباتوا بذلك شر الدواب عند الله. هؤلاء الذين ينقضون كل عهد أبرموه ، فتجردوا بذلك من خصيصة إنسانية أخرى ـ خصيصة التقيد بالعهد ـ وانطلقوا من كل قيد ، كما تنطلق البهيمة ، لولا أن البهيمة مقيدة بضوابط فطرتها ، وهؤلاء لا ضابط لهم. فهم بذلك شر الدواب عند الله!
هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى عهدهم وجوارهم .. جزاؤهم هو حرمانهم الأمن كما حرموا غيرهم الأمن ؛ وجزاؤهم هو تخويفهم وتشريدهم ، والضرب على أيديهم بشدة لا ترهبهم وحدهم ، إنما ترهب من يتسامع بهم ممن وراءهم من أمثالهم ، والرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ومن بعده من المسلمين ، مأمورون ـ إذا التقوا بأمثال هؤلاء في القتال ـ أن يصنعوا بهم ذلك الصنيع :
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
