وهذه ـ كما هو ظاهر ـ مواجهة عملية واقعية لحالات عملية واقعية في العلاقات بين المعسكرات المتجاورة ؛ لا ترفض الموادعة ـ متى تحقق للدعوة الإسلامية الأمان الحقيقي وزوال العقبات المادية من طريقها وهي تتحرك لتبلغ الأسماع والقلوب ـ وفي الوقت ذاته لا تسمح أن تكون عهود الموادعة ستارا للأعداء ، وترسا يتترسون به لضرب المجتمع المسلم غيلة وغدرا.
أما الحالة الواقعة التي كانت هذه النصوص تواجهها في مجتمع المدينة يومذاك ، فقد نشأت من الظروف التي واجهتها القيادة المسلمة في أول العهد بالهجرة إلى المدينة ، والتي يلخصها الإمام ابن القيم في زاد المعاد بقوله : «ولما قدم النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام : قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه ـ وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم ـ وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه ، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه .. ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن. ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم. ومنهم من دخل معه في الظاهر ، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين ، وهؤلاء هم المنافقون فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى» ..
وكان من بين من صالحهم ووادعهم طوائف اليهود الثلاث المقيمين حول المدينة ؛ وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. كما كان من بينهم قبائل من المشركين مجاورة للمدينة.
وظاهر أن هذه الأوضاع لم تكن إلا أوضاعا موقتة ، تواجه أحوالا واقعة ؛ ولم تكن أحكاما نهائية في العلاقات الدولية الإسلامية ؛ وأنها عدلت فيما بعد تعديلات متوالية ، حتى استقرت في الأحكام التي نزلت في سورة براءة ..
وهذه المراحل التي مرت بها هذه العلاقات سبق في الجزء التاسع أن نقلنا لها تلخيصا جيدا للإمام ابن القيم في زاد المعاد. ولا نرى بأسا من إعادة هذا التلخيص هنا لضرورته :
«فصل في ترتيب سياق هديه (صلىاللهعليهوسلم) مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عزوجل .. أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى : أن يقرأ باسم ربه الذي خلق. وذلك أول نبوته. فأمره أن يقرأ في نفسه ، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ) فنبأه بقوله : (اقْرَأْ) وأرسله ب (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ). ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين. ثم أنذر قومه. ثم أنذر من حولهم من العرب. ثم أنذر العرب قاطبة. ثم أنذر العالمين. فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ؛ ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله ، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله .. ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام : أهل صلح وهدنة ، وأهل حرب ، وأهل ذمة .. فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم ، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد ، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد ، وأمر أن يقاتل من نقض عهده .. ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها : فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام. وأمره بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم. فجاهد الكفار بالسيف والسنان ، والمنافقين بالحجة واللسان. وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم .. وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام : قسما أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له ، فحاربهم وظهر عليهم. وقسما لهم عهد موقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
