وتقديرهم .. فلا مجال إذن للخوف ، ولا مجال إذن للهزيمة ، ولا مجال إذن لأن يولي المؤمنون الأدبار عند لقاء الكفار ..
ويتصل السياق هنا بكل ملابسات المعركة .. فإذا كان الله هو الذي قتل المشركين ، وهو الذي رماهم ، وهو الذي أبلى المؤمنين فيها ذلك البلاء الحسن ، وهو الذي أوهن كيد الكافرين .. فما النزاع والاختلاف إذن في الأنفال ، والمعركة كلها أديرت بتدبير الله وبتقديره ، وليس لهم فيها إلا أن كانوا ستارا لهذا التدبير والتقدير؟!
* * *
وعند ما يصل السياق إلى تقرير .. أن الله موهن كيد الكافرين .. يتجه بالخطاب إلى الكافرين ، أولئك الذين استفتحوا قبيل المعركة ، فدعوا الله أن يجعل الدائرة على أضل الفريقين وآتاهما بما لا يعرف وأقطعهما للرحم ـ كما كان دعاء أبي جهل وهو استفتاحه : أي طلبه الفتح من الله والفصل ـ فدارت الدائرة على المشركين! .. يتوجه إليهم بالخطاب ، ساخرا من استفتاحهم ذاك ؛ مؤكدا لهم أن ما حدث في بدر إنما هو نموذج من السنة الجارية وليس فلتة عارضة ؛ وأن جموعهم وكثرتهم لن تغير من الأمر شيئا ؛ لأنها السنة الجارية : أن يكون الله مع المؤمنين :
(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ. وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ، وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ. وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ..
إن تستفتحوا فتطلبوا من الله أن يفتح بينكم وبين المسلمين ، وأن يهلك أضل الفريقين وأقطعهما للرحم .. فقد استجاب الله ، فجعل الدائرة عليكم ، تصديقا لاستفتاحكم! لقد دارت الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم! ولقد علمتم ـ إن كنتم تريدون أن تعلموا ـ من هم أضل الفريقين وأقطعهما للرحم! وعلى ضوء هذه الحقيقة ، وفي ظل هذا الإيحاء ، يرغبهم في الانتهاء عما هم فيه من الشرك والكفر والحرب للمسلمين ، والمشاقة لله ورسوله :
(وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) ..
ومع الترغيب الترهيب :
(وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ) ..
والعاقبة معروفة ، لا يغيرها تجمع ، ولا تبدلها كثرة :
(وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ) ..
وماذا تفعل الكثرة إذا كان الله في جانب المؤمنين؟
(وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ..
إن المعركة على هذا النحو لن تكون متكافئة أبدا ؛ لأن المؤمنين ـ ومعهم الله ـ سيكونون في صف ؛ والكفار ـ وليس معهم إلا ناس من البشر من أمثالهم ـ سيكونون في الصف الآخر. والمعركة على هذا النحو مقررة المصير! ولقد كان مشركو العرب يعرفون هذه الحقيقة. فإن معرفتهم بالله سبحانه لم تكن قليلة ولا سطحية ولا غامضة ؛ كما يتصور الناس اليوم من خلال تأثرهم ببعض التعميمات التاريخية. ولم يكن شرك العرب متمثلا في إنكار الله ـ سبحانه ـ ولا في عدم معرفتهم الحقيقة .. إنما كان يتمثل ، أكثر ما يتمثل ، في عدم إخلاصهم العبودية له ؛ وذلك بتلقي منهج حياتهم وشرائعهم من غيره ؛ وهو ما لم يكن متفقا مع إقرارهم بألوهية الله ومعرفتهم لحقيقته ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
