تبلغ أن تكون هزيمة وفرارا. والآجال بيد الله ، فما يجوز أن يولي المؤمن خوفا على الحياة. وليس في هذا تكليف للنفس فوق طاقتها. فالمؤمن إنسان يواجه عدوه إنسانا. فهما من هذه الناحية يقفان على أرض واحدة. ثم يمتاز المؤمن بأنه موصول بالقوة الكبرى التي لا غالب لها. ثم إنه إلى الله إن كان حيا ، وإلى الله إن كتبت له الشهادة. فهو في كل حالة أقوى من خصمه الذي يواجهه وهو يشاق الله ورسوله .. ومن ثم هذا الحكم القاطع :
(وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ـ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ـ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
ولا بد أن نقف هنا عند التعبير ذاته ، وما فيه من إيماءات عجيبة : «فلا تولوهم الأدبار» .. «ومن يولهم يومئذ دبره» .. فهو تعبير عن الهزيمة في صورتها الحسية ، مع التقبيح والتشنيع ، والتعريض بإعطاء الأدبار للأعداء! .. ثم : «فقد باء بغضب من الله» .. فالمهزوم مولّ ومعه «غضب من الله» يذهب به إلى مأواه : (وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ..
وهكذا تشترك ظلال التعبير مع دلالته في رسم الجو العام ؛ وتثير في الوجدان شعور الاستقباح والاستنكار للتولي يوم الزحف والفرار.
ثم يمضي السياق بعد هذا التحذير من التولي يوم الزحف ؛ ليكشف لهم عن يد الله وهي تدير المعركة من ورائهم ؛ وتقتل لهم أعداءهم ، وترمي لهم وتصيب ... وهم ينالون أجر البلاء لأن الله يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء ، ليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه :
(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ، وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ، وَما رَمَيْتَ ـ إِذْ رَمَيْتَ ـ وَلكِنَّ اللهَ رَمى. وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً. إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ..
وتذهب الروايات المأثورة إلى تفسير الرمي هنا بأنه رمية الحصى التي حثاها النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في وجوه الكفار ، وهو يقول : «شاهت الوجوه. شاهت الوجوه» فأصابت وجوه المشركين ممن كتب عليهم القتل في علم الله ..
ولكن دلالة الآية أعم. فهي تمثل تدبير الله للأمر كله من وراء الحركة الظاهرة للنبي صلىاللهعليهوسلم والعصبة المسلمة معه. ولذلك تلاها قول الله تعالى :
(وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً) ..
أي ليرزقهم من عنده أن يبلوا البلاء الحسن الذي ينالون عليه الأجر ، بعد أن يكتب لهم به النصر. فهو الفضل المضاعف أولا وأخيرا.
(إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ..
يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم ؛ ويجعلكم ستارا لقدرته ، متى علم منكم الخلوص له ؛ ويعطيكم النصر والأجر .. كما أعطاكم هذا وذاك في بدر ..
(ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ) ..
وهذه أخرى بعد تلك الأولى! إن التدبير لا ينتهي عند أن يقتل لكم أعداءكم بأيديكم ، ويصيبهم برمية رسولكم ، ويمنحكم حسن البلاء ليأجركم عليه .. إنما هو يضيف إليه توهين كيد الكافرين ، وإضعاف تدبيرهم
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
