سارت المعركة ، وهم قلة لا عدد لها ولا عدة ، وأعداؤهم كثرة في الرجال والعتاد. وكيف ثبتهم بمدد من الملائكة ، وبالمطر يستقون منه ويغتسلون ويثبت الأرض تحت أقدامهم فلا تسوخ في الرمال ، وبالنعاس يغشاهم فيسكب عليهم السكينة والاطمئنان. وكيف ألقى في قلوب أعدائهم الرعب وأنزل بهم شديد العقاب.
ومن ثم يأمر المؤمنين أن يثبتوا في كل قتال ، مهما خيل إليهم في أول الأمر من قوة أعدائهم ، فإن الله هو الذي يقتل ، وهو الذي يرمي ، وهو الذي يدبر ، وإن هم إلا ستار لقدر الله وقدرته ، يفعل بهم ما يشاء .. ثم يسخر من المشركين الذين كانوا قبل الموقعة يستفتحون ، فيطلبون أن تدور الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم ، فيقول لهم : (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ).
ويحذر المؤمنين أن يتشبهوا بالمنافقين الذين يسمعون ولكنهم لا يسمعون ، لأنهم لا يستجيبون!
وينتهي الدرس بنداءات متكررة للذين آمنوا. ليستجيبوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم ـ ولو خيل إليهم أنه الموت والقتل ـ وليذكرهم كيف كانوا قليلا مستضعفين يخافون أن يتخطفهم الناس ، فآواهم وأيدهم بنصره ؛ وليعدهم أن يجعل لهم فرقانا في قلوبهم وفي حركتهم إن هم اتقوه. ذلك إلى تكفير السيئات وغفران الذنوب ؛ وما ينتظرهم من فضل الله الذي تتضاءل دونه الغنائم والأنفال ..
* * *
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ : الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ..
ذكرنا من قبل في التعريف الإجمالي بالسورة جانبا من الروايات التي وردت عن نزول هذه الآيات. ونضيف هنا إليها بعض الروايات ؛ زيادة في استحضار الجو الذي نزلت فيه السورة جملة ، والذي نزلت فيه الآيات الخاصة بالغنائم والأنفال بوجه خاص ؛ واستحضار الملامح الواقعية للجماعة المسلمة في أول وقعة كبيرة بعد قيام الدولة المسلمة في المدينة.
قال ابن كثير في التفسير : روى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه ـ واللفظ له ـ وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا». فتسارع في ذلك شبان القوم ، وبقي الشيوخ تحت الرايات. فلما كانت المغانم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم ، فقال الشيوخ : لا تستأثروا علينا ، فإنا كنا رداء لكم ، لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا ، فأنزل الله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) ... إلى قوله : (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .. وقال الثوري ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «من قتل قتيلا فله كذا وكذا ، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا». فجاء أبو اليسير بأسيرين ، فقال : يا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أنت وعدتنا. فقام سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله ، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ، ولا جبن عن العدو ، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك. فتشاجروا ، ونزل القرآن : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ : الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) ... قال : ونزل القرآن :
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
