(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) ... إلى آخر الآية ...
وروى الإمام أحمد قال : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا أبو إسحق الشيباني ، عن محمد بن عبيد الله الثقفي. عن سعد بن أبي وقاص ، قال : لما كان يوم بدر ، وقتل أخي عمير ، قتلت سعيد بن العاص ؛ وأخذت سيفه. وكان يسمى ذا الكثيفة. فأتيت به النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقال : «اذهب فاطرحه في القبض» قال : فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي. قال : فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال ، فقال لي رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «اذهب فخذ سلبك».
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أسود بن عامر ، أخبرنا أبو بكر ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن مصعب ابن سعد ، عن سعد بن مالك ، قال : قلت يا رسول الله ، قد شفاني الله اليوم من المشركين ، فهب لي هذا السيف. فقال : «إن هذا السيف لا لك ولا لي ، ضعه». قال : فوضعته ثم رجعت ، فقلت : عسى أن يعطي هذا السيف من لا يبلي بلائي. قال : فإذا رجل يدعوني من ورائي. قال : قلت : قد أنزل الله فيّ شيئا؟ قال : «كنت سألتني السيف ، وليس هولي ، وإنه قد وهب لي ، فهو لك». قال : «وأنزل الله هذه الآية : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ، قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) .. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش به ، وقال الترمذي : حسن صحيح.
فهذه الروايات تصور لنا الجو الذي تنزلت فيه آيات الأنفال .. ولقد يدهش الإنسان حين يرى أهل بدر يتكلمون في الغنائم ؛ وهم إما من المهاجرين السابقين الذين تركوا وراءهم كل شيء ، وهاجروا إلى الله بعقيدتهم ، لا يلوون على شيء من أعراض هذه الحياة الدنيا ؛ وإما من الأنصار الذين آووا المهاجرين ، وشاركوهم ديارهم وأموالهم ، لا يبخلون بشيء من أعراض هذه الحياة الدنيا أو كما قال فيهم ربهم : (يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) .. ولكننا نجد بعض التفسير لهذه الظاهرة في الروايات نفسها. لقد كانت الأنفال مرتبطة في الوقت ذاته بحسن البلاء في المعركة ؛ وكانت بذلك شهادة على حسن البلاء ؛ وكان الناس ـ يومئذ ـ حريصين على هذه الشهادة من رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ومن الله سبحانه وتعالى ، في أول وقعة يشفي فيها صدورهم من المشركين! .. ولقد غطى هذا الحرص وغلب على أمر آخر نسيه من تكلموا في الأنفال حتى ذكّرهم الله سبحانه به ، وردهم إليه .. ذلك هو ضرورة السماحة فيما بينهم في التعامل ، والصلاح بين قلوبهم في المشاعر ؛ حتى أحسوا ذلك في مثل ما قاله عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ : «فينا ـ أصحاب بدر ـ نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ..».
ولقد أخذهم الله سبحانه بالتربية الربانية قولا وعملا. نزع أمر الأنفال كله منهم ورده إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حتى أنزل حكمه في قسمة الغنائم بجملتها ، فلم يعد الأمر حقا لهم يتنازعون عليه ؛ إنما أصبح فضلا من الله عليهم ؛ يقسمه رسول الله بينهم كما علمه ربه ... وإلى جانب الإجراء العملي التربوي كان التوجيه المستطرد الطويل ، الذي بدأ بهذه الآيات ، واستطرد فيما تلاها كذلك.
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ : الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ..
لقد كان الهتاف لهذه القلوب التي تنازعت على الأنفال ، هو الهتاف بتقوى الله .. وسبحان خالق القلوب العليم بأسرار القلوب .. إنه لا يرد القلب البشري عن الشعور بأعراض الحياة الدنيا ، والنزاع عليها ـ وإن كان
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
