الرأي الذي دعاهم إليه عتبة. فلما بلغ عتبة قول أبي جهل : انتفخ والله سحره. قال : سيعلم مصفر استه (يريد أن يشبهه في الجبن كالرجل الذي يتأنث!) من انتفخ سحره؟ أنا أم هو!
قال ابن إسحاق : وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق ، فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه (أي أطارها) بنصف ساقه. وهو دون الحوض. فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ؛ ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد ـ زعم ـ أن يبر يمينه ، واتبعه حمزة ، فضربه حتى قتله في الحوض!
ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة ، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة ، وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء ، ورجل آخر يقال : هو عبد الله بن رواحة. فقالوا من أنتم؟ فقالوا : رهط من الأنصار ، قالوا : ما لنا بكم من حاجة (وقال ابن إسحاق : إن عتبة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا إليه : أكفاء كرام ، إنما نريد قومنا) ثم نادى مناديهم : يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ. «قم يا عبيدة ابن الحارث ، قم يا حمزة ، قم يا علي». فلما قاموا ودنوا منهم قالوا : من أنتم؟ قال عبيدة : عبيدة؟ وقال حمزة : حمزة! وقال علي : علي! قالوا. نعم أكفاء كرام! فبارز عبيدة ، وكان أسن القوم ، عتبة ابن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة ، وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله. واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه (أي جرحه جرحا لا يملك معه الحركة) وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه (أي أجهزا عليه) واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.
قال ابن إسحاق : ثم تزاحف الناس ، ودنا بعضهم من بعض. وقد أمر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أصحابه ألا يحملوا حتى يأمرهم. قال : «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل» .. ثم عدل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ الصفوف ورجع إلى العريش ، فدخله ومعه فيه أبوبكر ليس معه فيه غيره. ورسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يناشد ربه ما وعده من النصر ، ويقول فيما يقول : «اللهم إن نهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد» وأبوبكر يقول : يا نبي الله بعض مناشدتك ربك ، فإن الله منجز لك ما وعدك.
وفي إمتاع الأسماع للمقريزي : أن عبد الله بن رواحة قال لرسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يا رسول الله إني أشير عليك ـ ورسول الله أعظم وأعلم من أن يشار عليه ـ إن الله أجل وأعظم من أن ينشد وعده! فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يا ابن رواحة ، ألا أنشد الله وعده؟ إن الله لا يخلف الميعاد».
قال ابن إسحاق : وقد خفق رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ خفقة وهو في العريش ، ثم انتبه ، فقال : «أبشر يا أبابكر ، أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذا بعنان فرس يقوده ، على ثناياه النقع» (يعني الغبار).
وقد رمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل ، فكان أول قتيل من المسلمين رحمة الله. ثم رمي حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار ـ وهو يشرب من الحوض ـ بسهم ، فأصاب نحره ، فقتل رحمة الله.
ثم خرج رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى الناس فحرضهم وقال : «والذي نفس محمد بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل ، فيقتل ، صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ، إلا أدخله الله الجنة». فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة ، وفي يده تمرات يأكلهن : بخ بخ (كلمة تقال للإعجاب) أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
