ابن رافع. قال ابن مسعود : كان يسلم بعضنا على بعض في الصلاة ، فجاء القرآن. (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ..
وقال القرطبي في التفسير : قال محمد بن كعب القرظي : كان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إذا قرأ القرآن في الصلاة أجابه من وراءه. إذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم. قالوا مثل قوله ، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة ، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث فنزل : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وهذا يدل على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
وقال القرطبي كذلك : وقال قتادة في هذه الآية : كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم : كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله تعالى : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) .. وعن مجاهد أيضا : كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم ، فنزل قوله تعالى : (... لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
والذين يرون أنها خاصة بقراءة القرآن في الصلاة يستشهدون بما رواه ابن جرير : حدثنا حميد بن مسعدة ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا الجريري ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال : رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقص (يعني والقارئ يقرأ) فقلت : ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود ، (يعني قوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) قال : فنظرا إلي ثم أقبلا على حديثهما ؛ قال فأعدت ، فنظرا إلي وأقبلا على حديثهما! قال فأعدت الثالثة ، قال : فنظرا إلي فقالا : إنما ذلك في الصلاة : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا). قال ابن كثير وهو يروي هذا الخبر : وكذا قال سفيان الثوري عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير عن مجاهد في قوله : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) قال : في الصلاة ، وكذا رواه غير واحد عن مجاهد. وقال عبد الرازق ، عن الثوري عن ليث عن مجاهد ، قال : لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم ..
وبعضهم يرى أنها في الصلاة وفي الخطبة كذلك في الجمع والعيدين ، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار ، ويزيد بن أسلم ، والقاسم بن مخيمرة ، ومسلم بن يسار ، وشهر بن حوشب وعبد الله ابن المبارك ، ولكن القرطبي قال : «وهذا ضعيف ، لأن القرآن فيها قليل ، والإنصات يجب في جميعها. قاله ابن العربي والنقاش : والآية مكية ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة».
وقال القرطبي في التفسير : قال النقاش : أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة. النحاس : وفي اللغة يجب أن يكون في كل شيء ، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء.
ونحن لا نرى في أسباب النزول التي وردت ما يخصص الآية بالصلاة المكتوبة وغير المكتوبة ، ذلك أن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب. والأقرب أن يكون ذلك عاما لا يخصصه شيء ، فالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له ـ حيثما قرىء ـ هو الأليق بجلال هذا القول ، وبجلال قائله سبحانه! وإذا قال الله أفلا يستمع الناس وينصتون؟! ثم رجاء الرحمة لهم : (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .. ما الذي يخصصه بالصلاة؟ وحيثما قرىء القرآن ، واستمعت له النفس وأنصتت ، كان ذلك أرجى لأن تعي وتتأثر وتستجيب ؛ فكان ذلك أرجى أن ترحم في الدنيا والآخرة جميعا ..
إن الناس يخسرون الخسارة التي لا يعارضها شيء بالانصراف عن هذا القرآن .. وإن الآية الواحدة لتصنع أحيانا في النفس ـ حين تستمع لها وتنصت ـ أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة والتكيف والرؤية
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
