يسألون الرسول عنها .. إما سؤال المختبر الممتحن! وإما سؤال المتعجب المستغرب! وإما سؤال المستهين المستهتر! «أيان مرساها؟» .. أي متى موعدها الذي إليه تستقر وترسو؟!
والرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بشر لا يدعي علم الغيب ، مأمور أن يكل الغيب إلى صاحبه ، وأن يعلمهم أنها من خصائص الألوهية ، وأنه هو بشر لا يدعي شيئا خارج بشريته ولا يتعدى حدودها ، إنما يعلمه ربه ويوحي إليه ما يشاء :
(قُلْ : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ).
فهو ـ سبحانه ـ مختص بعلمها ، وهو لا يكشف عنها إلا في حينها ، ولا يكشف غيره عنها.
ثم يلفتهم عن السؤال هكذا عن موعدها ، إلى الاهتمام بطبيعتها وحقيقتها ، وإلى الشعور بهولها وضخامتها ... ألا وإن أمرها لعظيم ، ألا وإن عبثها لثقيل. ألا وإنها لتثقل في السماوات والأرضين. وهي ـ بعد ذلك ـ لا تأتي إلا بغتة والغافلون عنها غافلون :
(ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) ..
فأولى أن ينصرف الاهتمام للتهيؤ لها والاستعداد قبل أن تأتي بغتة ؛ فلا ينفع معها الحذر ، ولا تجدي عندها الحيطة ، ما لم يأخذوا حذرهم قبلها ، وما لم يستعدوا لها ، وفي الوقت متسع وفي العمر بقية. وما يدري أحد متى تجيء ، فأولى أن يبادر اللحظة ويسارع ، وألا يضيع بعد ساعة ، قد تفجؤه بعدها الساعة!
ثم يعجب من أمر هؤلاء الذين يسألون الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عن الساعة .. إنهم لا يدركون طبيعة الرسالة وحقيقة الرسول ؛ ولا يعرفون حقيقة الألوهية ، وأدب الرسول في جانب ربه العظيم.
(يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها!)
أي كأنك دائم السؤال عنها! مكلف أن تكشف عن موعدها! ورسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لا يسأل ربه علم ما يعلم هو أنه مختص بعلمه :
(قُلْ : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ) ..
قد اختص سبحانه به ؛ ولم يطلع عليه أحدا من خلقه.
(وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ..
وليس الأمر أمر الساعة وحده. إنما هو أمر الغيب كله فلله وحده علم هذا الغيب. لا يطلع على شيء منه إلا من شاء ، بالقدر الذي يشاء ، في الوقت الذي يشاء .. لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعا ولا ضرا .. فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم ، ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم. وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم ، ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم! وقد يفعلون الأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير ؛ ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر : (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) ..
والشاعر الذي يقول :
|
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي! |
|
حواست جمع كن |
__________________
(١) من قصيدة لابن الرومي.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
