يستيقظ ويتفتح ويرى .. والله منزل هذا القرآن وخالق هذا الإنسان يعلم أن هذه اللمسة لا تبقي قلبا غافلا .. ولكن بعض القلوب قد يعاند بعد ذلك ويكابر!
(فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟)!
وما بعد هذا الحديث من حديث تهتز له القلوب أو تلين ..
إن هذه اللمسات التي تعددت في الآية الواحدة ؛ لتكشف لنا عن منهج هذا القرآن في خطاب الكينونة البشرية .. إنه لا يدع جانبا واحدا منها لا يخاطبه ، ولا يدع وترا منها واحدا لا يوقع عليه ؛ إنه لا يخاطب الذهن ولكنه لا يهمله ؛ ففي الطريق ـ وهو يهز الكيان البشري كله ـ يلمسه ويوقظه. إنه لا يسلك إليه طريق الجدل البارد ، ولكنه يستحييه لينظر ويتفكر وحرارة الحياة تسري فيه وتيارها الدافق .. وهكذا ينبغي أن يتجه منهج الدعوة إلى الله دائما .. فالإنسان هو الإنسان لم يتبدل خلقا آخر. والقرآن هو القرآن كلام الله الباقي ، وخطاب الله لهذا الإنسان الذي لا يتغير .. مهما تعلم ومهما «تطور!» ..
* * *
وهنا يقف السياق وقفة قصيرة للتعقيب .. يقرر فيها سنة الله الجارية بالهدى والضلال ؛ وفق ما أرادته مشيئته من هداية من يطلب الهدى ويجاهد فيه ؛ وإضلال من يصرف قلبه عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان. وذلك بمناسبة ما عرضه السياق قبل ذلك من حال أولئك القوم الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن ؛ على طريقة القرآن الكريم في عرض القاعدة العامة بمناسبة المثل الفريد ؛ ومن بيان السنة الثابتة بمناسبة الحادث العابر :
(مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ، وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
إن الذين يضلون ، إنما يضلون لأنهم غافلون عن النظر والتدبر. ومن يغفل عن النظر في آيات الله وتدبرها يضله الله ؛ ومن يضله الله لا يهديه أحد من بعده :
(مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ) ..
ومن يكتب الله عليه الضلال ـ وفق سنته تلك ـ يظل في طغيانه عن الحق وعماه عنه أبدا :
(وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) ..
وما في تركهم في عماهم من ظلم ، فهم الذين أغلقوا بصائرهم وأبصارهم ، وهم الذين عطلوا قلوبهم وجوارحهم ، وهم الذين غفلوا عن بدائع الخلق وأسرار الوجود ، وشهادة الأشياء ـ التي يوجههم إليها في الآية السابقة ـ وحيثما امتد البصر في هذا الكون وجد عجيبة ، وحيثما فتحت العين وقعت على آية ، وحيثما التفت الإنسان إلى نفسه أو إلى ما يحيط به ، لمس الإعجاز في تكوينه وفيما حوله من شيء. فإذا عمه ـ أي عمي ـ عن هذا كله ، ترك في عماه ، وإذا طغى بعد هذا كله وتجاوز الحق ترك في طغيانه حتى يسلمه إلى البوار :
(وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
* * *
هؤلاء الغافلون عما حولهم ، العمي عما يحيط بهم .. يسألون الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عن الساعة البعيدة المغيبة في المجهول. كالذي لا يرى ما تحت قدميه ويريد أن يرى ما في الأفق البعيد!
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها؟) قل : إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو ، ثقلت في السماوات
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
