في سبيل الله في حياة الجماعة المسلمة الأولى ؛ والتي تناثرت على مدى التاريخ في أجيال كثيرة. وما بنا أن نضرب لها هنا الأمثال ؛ فهي كثيرة مشهورة .. ومن هذا التصور كان ذلك المد الإسلامي العجيب ، في أقصر فترة عرفت في التاريخ ؛ فقد كان هذا التصور جانبا من جوانب التفوق الذي حققه المنهج الرباني للجماعة المسلمة ، على المعسكرات المعادية .. ذلك التفوق الذي أشرنا إليه من قبل في هذا الجزء (١). وبناء هذا التصور ذاته كان طرفا من المعركة الكلية الشاملة التي خاضها القرآن في نفوس المؤمنين ، وهو يخوض بهم المعركة مع أعدائهم المتفوقين في العدد والعدة والمال ؛ ولكنهم في هذا الجانب كانوا متخلفين ؛ فأمسوا مهزومين!
وها نحن أولاء نرى الجهد الذي بذله المنهج في إنشاء هذا التصور وتثبيته. فلم يكن الأمر هينا. ولم يكن مجرد كلمة تقال. ولكنه كان جهدا موصولا ، لمعالجة شح النفس ، وحرصها على الحياة ـ بأي ثمن ـ وسوء التصور لحقيقة الربح والخسارة .. وفي الدرس بقية من هذا العلاج ، وذلك الجهد الموصول.
* * *
إن السياق يمضي ـ بعد هذا ـ إلى التعجيب من أمر طائفة أو أكثر من المسلمين ـ قيل إن بعضهم من المهاجرين ، الذين كانت تشتد بهم الحماسة ـ وهم في مكة يلقون الأذى والاضطهاد ـ ليؤذن لهم في قتال المشركين. حيث لم يكن مأذونا لهم ـ بعد ـ في قتال ، للحكمة التي يعلمها الله ؛ والتي قد نصيب طرفا من معرفتها فيما سنذكره بعد .. فلما كتب عليهم القتال ، بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة ، وعلم الله أن في هذا الإذن خيرا لهم وللبشرية .. إذا هم ـ كما يصورهم القرآن ـ (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً! وَقالُوا : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ! لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ!) ممن إذا أصابتهم الحسنة قالوا : هذه من عند الله. وإن أصابتهم السيئة قالوا للرسول صلىاللهعليهوسلم : هذه من عندك. وممن يقولون : طاعة حتى إذا خرجوا من عند الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بيت طائفة منهم غير الذي تقول. وممن إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ...
يمضي السياق ليعجب من شأن هؤلاء ، في الأسلوب القرآني ؛ الذي يصور حالة النفس ، كما لو كانت مشهدا يرى ويحس! ويصحح لهم ـ ولغيرهم ـ سوء التصور والإدراك لحقائق الموت والحياة ، والأجل والقدر ، والخير والشر ، والنفع والضرر ، والكسب والخسارة ، والموازين والقيم ؛ ويبين لهم حقائقها في أسلوب يصور الحقائق في صورتها الموحية المؤثرة :
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ : كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ. فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً. وَقالُوا : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ؟ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ! قُلْ : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً. أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ. وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ. قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ. فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً؟ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ. وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً ، وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً. مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ؛ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً).
(وَيَقُولُونَ : طاعَةٌ. فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ـ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ـ فَأَعْرِضْ
__________________
(١) ص ٦٧٣.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
