الرواسي».
وروى ابن أبي حاتم ـ بإسناده ـ عن مصعب بن ثابت. عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير. قال : لما نزلت (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم».
وفي رواية له ـ بإسناده ـ عن شريح بن عبيد : قال : لما تلا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ هذه الآية : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ...) الآية ، أشار رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بيده إلى عبد الله ابن رواحة ، فقال : «لو أن الله كتب هذا ، لكان هذا من أولئك القليل» :
وكان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة ؛ ويعرف من خصائص كل منهم مالا يعرفه كل منهم عن نفسه! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بكل واحد من رجاله ؛ وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه .. خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله .. في دقة عجيبة .. لم تدرس بعد الدراسة الواجبة.
وليس هذا موضوعنا. ولكن موضوعنا أن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم. ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجىء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها. وكان الله ـ سبحانه ـ يعلم طبيعة هذا «الإنسان» الذي خلقه ؛ وحدود طاقته ؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين ، إلا ما هو ميسر للجميع ؛ حين تصح العزيمة ، وتعتدل الفطرة ، وينوي العبد الطاعة ، ولا يستهتر ولا يستهين.
وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة ؛ في مواجهة الدعوات الهدامة ؛ التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية ، والتلبط في الوحل كالدود! بحجة أن هذا هو «واقع» الإنسان ، وطبيعته وفطرته وحدود طاقته! وأن الدين دعوة «مثالية» لم تجىء لتحقق في واقع الأرض ؛ وإذا نهض بتكاليفها فرد ، فإن مائة لا يطيقون!
هذه دعوى كاذبة أولا ؛ وخادعة ثانيا ؛ وجاهلة ثالثا .. لأنها لا تفهم «الإنسان» ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه ، الذي فرض عليه تكاليف الدين ؛ وهو يعلم ـ سبحانه ـ أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي. لأن الدين لم يجىء للقلائل الممتازين!
وإن هي إلا العزيمة ـ عزيمة الفرد العادي ـ وإخلاص النية. والبدء في الطريق. وعندئذ يكون ما يعد الله به العاملين :
(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً. وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ..)
فمجرد البدء ، يتبعه العون من الله. ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق. ويتبعه الأجر العظيم. وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم .. وصدق الله العظيم .. فما يخدع الله ـ سبحانه وتعالى ـ عباده ؛ ولا يعدهم وعدا لا يفي لهم به ؛ ولا يحدثهم إلا حديث الصدق .. «ومن أصدق من الله حديثا»؟
في الوقت ذاته ليس اليسر ـ في هذا المنهج ـ هو الترخص. ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين وجعلها منهج الحياة. فهذا الدين عزائم ورخص. والعزائم هي الأصل والرخص للملابسات الطارئة .. وبعض المخلصين حسني النية ، الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين ، يعمدون إلى «الرخص» فيجمعونها ويقدمونها
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
