إن الدين منهج حياة. منهج حياة واقعية. بتشكيلاتها وتنظيماتها ، وأوضاعها ، وقيمها ، وأخلاقها وآدابها. وعباداتها وشعائرها كذلك.
وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان. سلطان يحقق المنهج ، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ .. والله أرسل رسله ليطاعوا ـ بإذنه وفي حدود شرعه ـ في تحقيق منهج الدين. منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة. وما من رسول إلا أرسله الله ، ليطاع ، بإذن الله. فتكون طاعته طاعة لله .. ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني ، والشعائر التعبدية .. فهذا وهم في فهم الدين ؛ لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل. وهي إقامة منهج معين للحياة ، في واقع الحياة .. وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظا. لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي. يستهتر بها المستهترون ، ويبتذلها المبتذلون!!!
ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان .. كان دعوة وبلاغا. ونظاما وحكما. وخلاقة بعد ذلك عن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ تقوم بقوة الشريعة والنظام ، على تنفيذ الشريعة والنظام. لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول. وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسول. وليست هنالك صورة أخرى يقال لها : الإسلام. أو يقال لها : الدين. إلا أن تكون طاعة للرسول ، محققة في وضع وفي تنظيم. ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف ؛ ويبقى أصلها الثابت. وحقيقتها التي لا توجد بغيرها .. استسلام لمنهج الله ، وتحقيق لمنهج رسول الله. وتحاكم إلى شريعة الله. وطاعة للرسول فيما بلغ عن الله ، وإفراد لله ـ سبحانه ـ بالألوهية (شهادة أن لا إله إلا الله) ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا لله ، لا يشاركه فيه سواه. وعدم احتكام إلى الطاغوت. في كثير ولا قليل. والرجوع إلى الله والرسول ، فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة ، والأحوال الطارئة ؛ حين تختلف فيه العقول ..
وأمام الذين «ظلموا أنفسهم» بميلهم عن هذا المنهج ، الفرصة التي دعا الله المنافقين إليها على عهد رسول الله ، صلىاللهعليهوسلم ـ ورغبهم فيها ..
(وَلَوْ أَنَّهُمْ ـ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ـ جاؤُكَ ، فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ، لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً) ..
والله تواب في كل وقت على من يتوب. والله رحيم في كل وقت على من يؤوب. وهو ـ سبحانه ـ يصف نفسه بصفته. ويعد العائدين إليه ، المستغفرين من الذنب ، قبول التوبة وإفاضة الرحمة .. والذين يتناولهم هذا النص ابتداء ، كان لديهم فرصة استغفار الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وقد انقضت فرصتها. وبقي باب الله مفتوحا لا يغلق. ووعده قائما لا ينقض. فمن أراد فليقدم. ومن عزم فليتقدم ..
وأخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم. إذ يقسم الله ـ سبحانه ـ بذاته العلية ، أنه لا يؤمن مؤمن ، حتى يحكم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في أمره كله. ثم يمضي راضيا بحكمه ، مسلما بقضائه. ليس في صدره حرج منه ، ولا في نفسه تلجلج في قبوله :
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ. ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ..
ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحدّ الإسلام. يقرره الله سبحانه بنفسه. ويقسم عليه بذاته. فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحدّ الإسلام ، ولا تأويل لمؤول.
اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام .. وهي أن هذا القول مرهون بزمان ، وموقوف على طائفة من الناس! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا ؛ ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا. فهذه حقيقة كلية
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
