الأبدي. فضلا على أن هذه الرؤية لا تلزم لهم في خلافة الأرض. وهي الوظيفة التي هم معانون عليها وموهوبون ما يلزم لها ..
وقد يفهم الإنسان سذاجة الأوّلين. ولكنه لا يملك أن يفهم سماجة الآخرين! إن هؤلاء يتحدثون عن «الذرة» وعن «الكهرب» وعن «البروتون» وعن «النيوترون» .. وواحد منهم لم ير ذرة ولا كهربا ولا بروتونا ولا نيوترونا في حياته قط. فلم يوجد بعد الجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات .. ولكنها مسلمة من هؤلاء ، كفرض ، ومصداق هذا الفرض أن يقدروا آثارا معينة تقع لوجود هذه الكائنات. فإذا وقعت هذه الآثار (جزموا) بوجود الكائنات التي أحدثتها! بينما قصارى ما تصل إليه هذه التجربة هو «احتمال» وجود هذه الكائنات على الصفة التي افترضوها! .. ولكنهم حين يقال لهم عن وجود الله ـ سبحانه ـ عن طريق آثار هذا الوجود التي تفرض نفسها فرضا على العقول! يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ويطلبون دليلا ماديا تراه الأعين .. كأن هذا الوجود بجملته ، وكأن هذه الحياة بأعاجيبها لا تكفي لتكون هذا الدليل!
* * *
وكذلك يعقب السياق القرآني على ما عرضه من آيات في صفحة الوجود وفي مكنونات النفوس. وعلى تقريره عن ذات الله سبحانه بأنه :
(لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
يعقب السياق على هذا الوصف الذي لا تملك لغة البشر أن تشرحه أو تصفه .. بقوله :
(قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) ..
فهذا الذي جاء من عند الله .. بصائر .. والبصائر تهتدي وتهدي .. وهذا بذاته .. بصائر .. تهدي. فمن أبصر فلنفسه فإنما يجد الهدى والنور. وليس وراء ذلك إلا العمى. فما يبقى على الضلال بعد هذه الآيات والبصائر إلا أعمى .. معطل الحواس. مغلق المشاعر. مطموس الضمير ..
ويوجه النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يعلن براءته من أمرهم ومغبته :
(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) ..
ولا يفوتنا أن نلمح التناسق في الجو والظلال والعبارة بين قوله في الآية السابقة : في صفة الله سبحانه : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) .. وبين قوله في الآية اللاحقة : (قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها) .. واستخدام الأبصار والبصائر ، والبصر والعمى ، في السياق المتناسق المتناغم ..
* * *
بعد ذلك يلتفت السياق إلى الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فيتحدث عن تصريف الآيات على هذا المستوي ، الذي لا يتناسب مع أمية النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وبيئته ؛ والذي يدل بذاته على مصدره الرباني ـ لمن تتفتح بصيرته ـ ولكن المشركين ما كانوا يريدون الاقتناع بالآيات. ومن ثم كانوا يقولون : إن محمدا درس هذه القضايا العقيدية والكونية مع أحد أهل الكتاب! وما دروا أن أهل الكتاب ما كانوا يعلمون شيئا على هذا المستوي الذي يحدثهم محمد فيه ؛ وما كان أهل الأرض جميعا ـ وما يزالون ـ يبلغون شيئا من هذا المستوي السامق على كل ما عرف البشر وما يعرفون. ومن ثم يوجه الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى اتباع ما أوحي إليه والإعراض عن المشركين :
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
