«والرأي الثالث الذي يذهب إلى أن هذا الكون أزلي ليس لنشأته بداية (١) ، إنما يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون ـ وذلك في عنصر واحد هو الأزلية ـ وإذن فنحن إما أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميت ، وإما أن ننسبها إلى إله حي يخلق ، وليس هنالك صعوبة فكرية في الأخذ بأحد هذين الاحتمالين أكثر مما في الآخر. ولكن قوانين «الديناميكا الحرارية» تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيا ، وأنها سائرة حتما (٢) إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض ، هي الصفر المطلق ؛ ويومئذ تنعدم الطاقة ، وتستحيل الحياة. ولا مناص من حدوث هذه الحالة (٣) من انعدام الطاقات عند ما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق ، بمضي الوقت. أما الشمس المستعرة ، والنجوم المتوهجة ، والأرض الغنية بأنواع الحياة ، فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة ، فهو إذن حدث من الأحداث .. ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي ، ليس له بداية ، عليم محيط بكل شيء ، قوي ليس لقدرته حدود ، ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه».
* * *
الله ـ سبحانه ـ خالق كل شيء. لا إله إلا هو ..
هذه هي القاعدة التي يقيم عليها السياق القرآني هنا وجوب عبادة الله وحده. ووجوب ربوبيته وحده ـ بكل مدلولات الربوبية من الحكم والتربية والتوجيه والقوامة :
(ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. فَاعْبُدُوهُ. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ..
فهي القوامة لا على البشر وحدهم ، ولكن على كل شيء كذلك. بما أنه هو خالق كل شيء ... وهذا هو المقصود من تقرير تلك القاعدة ، التي لم يكن المشركون ـ في جاهليتهم ـ يجحدونها. ولكنهم ما كانوا يسلمون بمقتضاها. وهو : الخضوع والطاعة لحاكمية الله وحده والدينونة لسلطانه بلا شريك ..
* * *
ثم تعبير عن صفة الله سبحانه ، يغشى الجوانح والحنايا بظلال ما أحسب أن لغة البشر تملك لها وصفا ، فلندعها تلقي ظلالها في شفافية ولين ؛ وترسم المشهد الذي يغلف فيه ما يهول ويروع من صفة الله ، بما يطمئن ويروّح ، ويشف شفافية النور :
(لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ..
إن الذين كانوا يطلبون في سذاجة أن يروا الله ، كالذين يطلبون في سماجة دليلا ماديا على الله! هؤلاء وهؤلاء لا يدركون ماذا يقولون!
إن أبصار البشر وحواسهم وإدراكهم الذهني كذلك .. كلها إنما خلقت لهم ليزاولوا بها التعامل مع هذا الكون ، والقيام بالخلافة في الأرض .. وإدراك آثار الوجود الإلهي في صفحات هذا الوجود المخلوق .. فأما ذات الله ـ سبحانه ـ فهم لم يوهبوا القدرة على إدراكها. لأنه لا طاقة للحادث الفاني أن يرى الأزلي
__________________
(١) وهو رأي الوضعيين والمذاهب المادية جملة من قديم. وكذلك الهندوكية والبوذية!
(٢ ـ ٣) هذه التوكيدات الحتمية لم يعد منطق العلم البشري ذاته يحتملها. وقوانين الديناميكا الحرارية ليست يقينا. إنما هي نظرية في تفسير الكون. وقد تدخل عليها تعديلات غدا. وقد يظهر بطلانها من أساسها. ونحن كما قلنا لا نتخذ من العلم برهانا على صحة الإسلام ، ولا مصدقا لمقرراته. إنما نحن نواجه بهذه النتائج «العلمية» من يحسبون العلم إلها .. فهذا قول إلههم الذي يثقون به ثقة جوليان هاكسلي!
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
