وفي الآيات ذكر لسبعة عشر نبيا رسولا ـ غير نوح وإبراهيم ـ وإشارة إلى آخرين (مِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ) .. والتعقيبات على هذا الموكب : (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) .. (وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ) .. (وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) .. وكلها تعقيبات تقرر إحسان هذا الرهط الكريم واصطفاءه من الله ، وهدايته إلى الطريق المستقيم.
وذكر هذا الرهط على هذا النحو ، واستعراض هذا الموكب في هذه الصورة ، كله تمهيد للتقريرات التي تليه :
(ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ..
وهذا تقرير لينابيع الهدى في هذه الأرض. فهدى الله للبشر يتمثل فيما جاءت به الرسل. وينحصر المستيقن منه ، والذي يجب اتباعه ، في هذا المصدر الواحد ، الذي يقرر الله ـ سبحانه ـ أنه هو هدى الله ؛ وأنه هو الذي يهدي إليه من يختار من عباده .. ولو أن هؤلاء العباد المهديين حادوا عن توحيد الله ؛ وتوحيد المصدر الذي يستمدون منه هداه ، وأشركوا بالله في الاعتقاد أو العبادة أو التلقي ، فإن مصيرهم أن يحبط عنهم عملهم : أي أن يذهب ضياعا ، ويهلك كما تهلك الدابة التي ترعى نبتا مسموما فتنتفخ ثم تموت .. وهذا هو الأصل اللغوي للحبوط!
(أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ. فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) ..
وهذا هو التقرير الثاني .. فقرر في الأول مصدر الهدى ، وقصره على هدى الله الذي جاءت به الرسل. وقرر في الثاني أن الرسل الذين ذكرهم والذين أشار إليهم ، هم الذين آتاهم الله الكتاب والحكمة والسلطان والنبوة ـ «والحكم» يجيء بمعنى الحكمة كما يجيء بمعنى السلطان كذلك ـ وكلا المعنيين محتمل في الآية. فهؤلاء الرسل أنزل الله على بعضهم الكتاب كالتوراة مع موسى ، والزبور مع داود ، والإنجيل مع عيسى. وبعضهم آتاه الله الحكم كداود وسليمان ـ وكلهم أوتي السلطان على معنى أن ما معه من الدين هو حكم الله ، وأن الدين الذي جاءوا به يحمل سلطان الله على النفوس وعلى الأمور. فما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا ، وما أنزل الكتاب إلا ليحكم بين الناس بالقسط ، كما جاء في الآيات الأخرى. وكلهم أوتي الحكمة وأوتي النبوة .. وأولئك هم الذين وكلهم الله بدينه ، يحملونه إلى الناس ، ويقومون عليه ، ويومنون به ويحفظونه .. فإذا كفر بالكتاب والحكم والنبوة مشركو العرب : «هؤلاء» فإن دين الله غني عنهم ؛ وهؤلاء الرهط الكرام والمؤمنون بهم هم حسب هذا الدين! .. إنها حقيقة قديمة امتدت شجرتها ، وموكب موصول تماسكت حلقاته ؛ ودعوة واحدة حملها رسول بعد رسول ؛ وآمن بها ويؤمن من يقسم الله له الهداية ؛ بما يعلمه من استحقاقه للهداية! .. وهو تقرير يسكب الطمأنينة في قلب المؤمن ، وفي قلوب العصبة المسلمة ـ أيا كان عددها ـ إن هذه العصبة ليست وحدها. ليست مقطوعة من شجرة! إنها فرع منبثق من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وحلقة في موكب جليل موصول ، موصولة أسبابه بالله وهداه .. إن المؤمن الفرد ، في أي أرض وفي أي جيل ، قوي قوي ، وكبير كبير ، إنه من تلك الشجرة المتينة السامقة الضاربة الجذور في أعماق الفطرة البشرية وفي أعماق التاريخ الإنساني ، وعضو من ذلك الموكب الكريم الموصول بالله وهداه منذ أقدم العصور.
(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. قُلْ : لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ) ..
وهو التقرير الثالث .. فهؤلاء الرهط الكرام الذين يقودون موكب الإيمان ، هم الذين هداهم الله. وهداهم الذي جاءهم من الله فيه القدوة لرسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ومن آمن به. فهذا الهدى وحده هو الذي
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
