في أحداثهما علي وعبد الرحمن بن عوف من المهاجرين. وسعد بن معاذ من الأنصار.
روى ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ـ بإسناده ـ عن مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال : «نزلت في أربع آيات. صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار. فأكلنا وشربنا ، حتى سكرنا ، ثم افتخرنا ، فرفع رجل لحي بعير (عظم الفك) فغرز بها أنف سعد. فكان سعد مغروز الأنف. وذلك قبل تحريم الخمر. فنزلت (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) .. والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة.
وروى ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار. حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي أبو جعفر. عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : «صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما ، فدعانا ، وسقانا من الخمر ، فأخذت الخمر منا ، وخضرت الصلاة ، فقدموا فلانا قال : فقرأ : قل يا أيها الكافرون. ما أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون! فأنزل الله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ).
ولا نحتاج إلى مزيد من الأمثلة والروايات ؛ لندلل على تغلغل ظاهرة الخمر في المجتمع الجاهلي. فهي كانت والميسر ، الظاهرتين البارزتين ؛ المتداخلتين ، في تقاليد هذا المجتمع ..
فماذا صنع المنهج الرباني لمقاومة هذه الظاهرة المتغلغلة؟ ماذا صنع لمكافحة هذه الآفة ، التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقيم واع أبدا؟ ماذا صنع ليقف في وجه عادة أصيلة قديمة ، تتعلق بها تقاليد اجتماعية ؛ كما تتعلق بها مصالح اقتصادية؟
لقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن ؛ وعلى مراحل ، وفي رفق وتؤدة. وكسب المعركة. دون حرب. ودون تضحيات. ودون إراقة دماء .. والذي أريق فقط هودنان الخمر وزقاقها وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين ـ حين سمعوا آية التحريم ـ فمجوها من أفواههم. ولم يبلعوها. كما سيجيء!
في مكة ـ حيث لم يكن للإسلام دولة ولا سلطان .. إلا سلطان القرآن ـ وردت في القرآن المكي تلميحة سريعة إلى نظرة الإسلام للخمر. تدرك من ثنايا العبارة. وهي مجرد إشارة :
جاء في سورة النحل : (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) .. فوضع «السكر» وهو الشراب المسكر الذي كانوا يتخذونه من ثمرات النخيل والأعناب ، في مقابل الرزق الحسن! ملمحا بهذا التقابل إلى أن السكر شيء. والرزق «الحسن» شيء آخر .. وكانت مجرد لمسة من بعيد ؛ للضمير المسلم الوليد!
ولكن عادة الشراب ، أو تقليد الشراب ـ بمعنى أدق ـ فقد كان أعمق من عادة فردية. كان تقليدا اجتماعيا ، له جذور اقتصادية .. كان أعمق من أن تؤثر فيه هذه اللمسة السريعة البعيدة ..
وفي المدينة حيث قامت للإسلام دولة وكان له سلطان .. لم يلجأ إلى تحريم الخمر بقوة الدولة وسيف السلطان. إنما كان أولا سلطان القرآن ..
وبدأ المنهج عمله في رفق وفي يسر ، وفي خبرة بالنفس البشرية ، والأوضاع الاجتماعية ..
بدأ بآية البقرة ردا على أسئلة تدل على فجر اليقظة في الضمير المسلم ضد الخمر والميسر : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. قُلْ : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ، وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ .. وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ..)
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
