هنا يقع التماس ، وتنطلق الشرارة ، ويتم الاتصال بين الفطرة الصادقة والله الحق ، ويغمر النور القلب ويفيض على الكون الظاهر وعلى العقل والوعي .. هنا يجد إبراهيم إلهه .. يجده في وعيه وإدراكه كما هو في فطرته وضميره .. هنا يقع التطابق بين الإحساس الفطري المكنون والتصور العقلي الواضح ..
وهنا يجد إبراهيم إلهه. ولكنه لا يجده في كوكب يلمح ، ولا في قمر يطلع ، ولا في شمس تسطع .. ولا يجده فيما تبصر العين ، ولا فيما يحسه الحس .. إنه يجده في قلبه وفطرته ، وفي عقله ووعيه ، وفي الوجود كله من حوله .. إنه يجده خالقا لكل ما تراه العين ، ويحسه الحس ، وتدركه العقول.
وعندئذ يجد في نفسه المفاصلة الكاملة بينه وبين قومه في كل ما يعبدون من آلهة زائفة ؛ ويبرأ في حسم لا مواربة فيه من وجهتهم ومنهجهم وما هم عليه من الشرك ـ وهم لم يكونوا يجحدون الله البتة ، ولكنهم كانوا يشركون هذه الأرباب الزائفة ـ وإبراهيم يتجه إلى الله وحده بلا شريك :
(قالَ : يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ..
فهو الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض. الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك. وهي الكلمة الفاصلة ، واليقين الجازم ، والاتجاه الأخير .. فلا تردد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلى للعقل من تصور مطابق للحقيقة التي في الضمير ..
* * *
ومرة أخرى نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر .. مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس ، واستولت على القلب ، بعد ما وضحت وضوحها الكامل وانجلى عنها الغبش .. نشهدها وقد ملأت الكيان الإنساني ، فلم يعد وراءها شيء. وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربه الذي وجده في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله .. وهو مشهد يتجلى بكل روعته وبهائه في الفقرة التالية في السياق.
لقد انتهى إبراهيم إلى رؤية الله ـ سبحانه ـ في ضميره وعقله وفي الوجود من حوله. وقد اطمأن قلبه واستراح باله. وقد أحس بيد الله تأخذ بيده وتقود خطاه في الطريق .. والآن يجيء قومه ليجادلوه فيما انتهى إليه من يقين ؛ وفيما انشرح له صدره من توحيد ؛ وليخوفوه آلهتهم التي تنكر لها أن تنزل به سوءا .. وهو يواجههم في يقينه الجازم ؛ وفي إيمانه الراسخ ؛ وفي رؤيته الباطنة والظاهرة لربه الحق الذي هداه :
(وَحاجَّهُ قَوْمُهُ ، قالَ : أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ؟ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً. أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ؟ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ ، وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟) ..
إن الفطرة حين تنحرف تضل ؛ ثم تتمادى في ضلالها ، وتتسع الزاوية ويبعد الخط عن نقطة الابتداء ، حتى ليصعب عليها أن تثوب .. وهؤلاء قوم إبراهيم ـ عليهالسلام ـ يعبدون أصناما وكواكب ونجوما. فلا يتفكرون ولا يتدبرون هذه الرحلة الهائلة التي تمت في نفس إبراهيم. ولم يكن هذا داعيا لهم لمجرد التفكر والتدبر. بل جاءوا يجادلونه ويحاجونه. وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوراتهم وفي ضلال مبين.
ولكن إبراهيم المؤمن الذي وجد الله في قلبه وعقله وفي الوجود كله من حوله ، يواجههم مستنكرا في طمأنينة
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
