لا تلك الحتميات المدعاة! والذي يريد أن يتملى شقاء البشرية في انحرافها عن هدى الله ، لا يحتاج أن ينقب ؛ فهو حوله في كل أرض تراه الأعين وتلمسه الأيدي ، ويصرخ منه العقلاء في كل مكان (١).
ومن ثم يستطرد السياق في الآية ليقرر ضرورة الاستسلام لله وحده ، وعبادته وحده ، ومخافته وتقواه :
(وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ، وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ) ..
قل يا محمد وأعلن أن هدى الله هو الهدى ؛ وأننا ـ من ثم ـ أمرنا أن نسلم لرب العالمين. فهو وحده الذي يستسلم له العالمون. فالعوالم كلها مستسلمة له ، فماذا الذي يجعل الإنسان وحده ـ من بين العالمين ـ يشذ عن الاستسلام لهذه الربوبية الشاملة التي تستسلم لها العوالم في السماوات والأرضين؟
إن ذكر الربوبية للعالمين هنا له موضعه .. إنه يقرر الحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها وهي استسلام الوجود كله ، وما فيه من عوالم مشهودة ومغيبة ، للنواميس التي وضعها الله لها ؛ وهي لا تملك الخروج عليها ، والإنسان ـ من ناحية تركيبه العضوي ـ يستسلم كذلك لهذه النواميس كرها ، ولا يملك الخروج عليها .. فلا يبقى إلا أن يستسلم في الجانب الذي ترك له الخيار فيه ليبتلى فيه ، وهو جانب الاختيار .. اختيار الهدى أو الضلال .. ولو استسلم فيه استسلام كيانه العضوي ، لاستقام أمره ، وتناسق تكوينه وسلوكه ، وجسمه وروحه ، ودنياه وآخرته (٢) ..
وفي إعلان الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والمسلمين معه ، أنهم أمروا بالاستسلام فاستسلموا ، إيحاء مؤثر لمن يفتح الله قلبه للتلقي والاستجابة على مدى الزمان.
وبعد إعلان الاستسلام لرب العالمين تجيء التكاليف التعبدية والشعورية :
(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ).
فالأصل هو الاستسلام لربوبية رب العالمين ، وسلطانه وتربيته وتقويمه. ثم تجيء العبادات الشعائرية ؛ وتجيء الرياضيات النفسية .. لتقوم على قاعدة الاستسلام .. فإنها لا تقوم إلا إذا رسخت هذه القاعدة ليقوم عليها البناء.
وفي الإيقاع الأخير في الفقرة يحشد السياق المؤثرات من الحقائق الأساسية في العقيدة : حقيقة الحشر .. وحقيقة الخلق. وحقيقة السلطان. وحقيقة العلم بالغيب والشهادة. وحقيقة الحكمة والخبرة .. من خصائص الألوهية ، التي هي الموضوع الرئيسي في هذه السورة :
(وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ. وَيَوْمَ يَقُولُ : كُنْ فَيَكُونُ. قَوْلُهُ الْحَقُّ ، وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) ..
(وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ..
إن الاستسلام لرب العالمين ضرورة وواجب .. فهو الذي إليه تحشر الخلائق .. فأولى لهم أن يقدموا بين يدي الحشر ـ الحتمي ـ ما ينجيهم ؛ وأولى لهم أن يستسلموا اليوم له استسلام العالمين ؛ قبل أن يقفوا أمامه
__________________
(١) يراجع فصل : «تخبط واضطراب» في كتاب «الإسلام ومشكلات الحضارة» وفصل «شهادة القرن العشرين» في كتاب «التطور والثبات في حياة البشرية». «دار الشروق».
(٢) يراجع بتوسع فصل «الإسلام» في كتاب «مبادئ الإسلام» للسيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
