نجد أن الله ـ سبحانه ـ يقرر أن أهل الكتاب ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم .. وحتى يدخلوا في الدين الأخير تبعا لهذه الإقامة كما هو بديهي من دعوتهم إلى الإيمان بالله والنبي. في المواضع الأخرى المتعددة .. فهم إذن لم يعودوا على «دين الله» ولم يعودوا أهل «دين» يقبله الله.
ونجد أن مواجهتهم بهذه الحقيقة قد علم الله أنها ستزيد الكثيرين منهم طغيانا وكفرا .. ومع هذا فقد أمر رسوله أن يواجههم بها دون مواربة. ودون أسى على ما سيصيب الكثيرين منها!
فإذا نحن اعتبرنا كلمة الله في هذه القضية هي كلمة الفصل ـ كما هو الحق والواقع ـ لم يبق هنالك موضع لاعتبار أهل الكتاب .. أهل دين .. يستطيع «المسلم» أن يتناصر معهم فيه للوقوف في وجه الإلحاد والملحدين ؛ كما ينادي بعض المخدوعين وبعض الخادعين! فأهل الكتاب لم يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ؛ حتى يعتبرهم المسلم «على شيء» وليس للمسلم أن يقرر غير ما قرره الله : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) .. وكلمة الله باقية لا تغيرها الملابسات والظروف!
وإذا نحن اعتبرنا كلمة الله هي كلمة الفصل ـ كما هو الحق والواقع ـ لم يكن لنا أن نحسب حسابا لأثر المواجهة لأهل الكتاب بهذه الحقيقة ، في هياجهم علينا ، وفي اشتداد حربهم لنا ، ولم يكن لنا أن نحاول كسب مودتهم بالاعتراف لهم بأنهم على دين نرضاه منهم ونقرهم عليه ، ونتناصر نحن وإياهم لدفع الإلحاد عنه ـ كما ندفع الإلحاد عن ديننا الذي هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس ..
إن الله ـ سبحانه ـ لا يوجهنا هذا التوجيه. ولا يقبل منا هذا الاعتراف. ولا يغفر لنا هذا التناصر. ولا التصور الذي ينبعث التناصر منه. لأننا حينئذ نقرر لأنفسنا غير ما يقرر ؛ ونختار في أمرنا غير ما يختار ؛ ونعترف بعقائد محرفة أنها «دين» إلهي ، يجتمع معنا في آصرة الدين الإلهي .. والله يقول : إنهم ليسوا على شيء ، حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم .. وهم لا يفعلون!
والذين يقولون : إنهم مسلمون ـ ولا يقيمون ما أنزل إليهم من ربهم ـ هم كأهل الكتاب هؤلاء. ليسوا على شيء كذلك. فهذه كلمة الله عن أهل أي كتاب لا يقيمونه في نفوسهم وفي حياتهم سواء. والذي يريد أن يكون مسلما يجب عليه ـ بعد إقامة كتاب الله في نفسه وفي حياته ـ أن يواجه الذين لا يقيمونه بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموه. وأن دعواهم أنهم على دين ، يردها عليهم رب الدين. فالمفاصلة في هذا الأمر واجبة ؛ ودعوتهم إلى «الإسلام» من جديد هي واجب «المسلم» الذي أقام كتاب الله في نفسه وفي حياته. فدعوى الإسلام باللسان أو بالوراثة دعوى لا تفيد إسلاما ، ولا تحقق إيمانا ، ولا تعطي صاحبها صفة التدين بدين الله ، في أي ملة ، وفي أي زمان!
وبعد أن يستجيب هؤلاء أو أولئك ؛ ويقيموا كتاب الله في حياتهم ؛ يملك «المسلم» أن يتناصر معهم في دفع غائلة الإلحاد والملحدين ، عن «الدين» وعن «المتدينين» .. فأما قبل ذلك فهو عبث ؛ وهو تمييع ، يقوم به خادع أو مخدوع!
إن دين الله ليس راية ولا شعارا ولا وراثة! إن دين الله حقيقة تتمثل في الضمير وفي الحياة سواء. تتمثل في عقيدة تعمر القلب ، وشعائر تقام للتعبد ، ونظام يصرف الحياة .. ولا يقوم دين الله إلا في هذا الكل المتكامل ؛ ولا يكون الناس على دين الله إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وفي حياتهم .. وكل اعتبار
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
