كذلك يتضمن دعوتهم من جديد إلى الهدى .. الهدى الذي جاءتهم به الرسالة الأخيرة ؛ وجاءهم به الرسول الأخير. ودحض ما قد يدعونه من حجة في أنه طال عليهم الأمد ، ومرت بهم فترة طويلة منذ آخر أنبيائهم ، فنسوا ولبس عليهم الأمر .. فها هو ذا قد جاءهم بشير ونذير. فسقطت الحجة ، وقام الدليل.
ومن خلال هذه الدعوة ، تتبين وحدة دين الله ـ في أساسه ـ ووحدة ميثاق الله مع جميع عباده : أن يؤمنوا به ، ويوحدوه ، ويؤمنوا برسله دون تفريق بينهم ، وينصروهم ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، وينفقوا في سبيل الله من رزق الله .. فهو الميثاق الذي يقرر العقيدة الصحيحة ، ويقرر العبادة الصحيحة ، ويقرر أسس النظام الاجتماعي الصحيح ..
فالآن نأخذ في استعراض هذه الحقائق كما وردت في السياق القرآني الكريم :
* * *
(وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ، وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً. وَقالَ اللهُ : إِنِّي مَعَكُمْ. لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ ، وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ ، وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي ، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ؛ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً .. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ .. فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ؛ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ، وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ ـ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ـ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ..)
(وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ ؛ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) ..
لقد كان ميثاق الله مع بني إسرائيل ميثاقا بين طرفين ؛ متضمنا شرطا وجزاء. والنص القرآني يثبت نص الميثاق وشرطه وجزاءه ، بعد ذكر عقد الميثاق وملابسات عقده .. لقد كان عقدا مع نقباء بني إسرائيل الاثني عشر ، الذين يمثلون فروع بيت يعقوب ـ وهو إسرائيل ـ وهم ذرية الأسباط ـ أحفاد يعقوب ـ وعدتهم اثنا عشر سبطا .. وكان هذا نصه :
(وَقالَ اللهُ : إِنِّي مَعَكُمْ. لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ ، وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ ، وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي ، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً .. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ، وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) ..
.. «إني معكم» .. وهو وعد عظيم. فمن كان الله معه ، فلا شيء إذن ضده. ومهما يكن ضده من شيء فهو هباء لا وجود ـ في الحقيقة ـ له ولا أثر. ومن كان الله معه فلن يضل طريقه ، فإن معية الله ـ سبحانه ـ تهديه كما أنها تكفيه. ومن كان الله معه فلن يقلق ولن يشقى ، فإن قربه من الله يطمئنه ويسعده .. وعلى الجملة فمن كان الله معه فقد ضمن ، وقد وصل ، وما له زيادة يستزيدها على هذا المقام الكريم.
ولكن الله ـ سبحانه ـ لم يجعل معيته لهم جزافا ولا محاباة ؛ ولا كرامة شخصية منقطعة عن أسبابها وشروطها عنده .. إنما هو عقد .. فيه شرط وجزاء.
شرطه : إقامة الصلاة .. لا مجرد أداء الصلاة .. إقامتها على أصولها التي تجعل منها صلة حقيقية بين العبد والرب ؛ وعنصرا تهذيبيا وتربويا وفق المنهج الرباني القويم ؛ وناهيا عن الفحشاء والمنكر حياء من الوقوف بين يدي الله بحصيلة من الفحشاء والمنكر!
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
