التاريخ في هذا المجال كثيرة مستفيضة. تشهد كلها بأن هذه الوصايا والفرائض الربانية ، قد استحالت في حياة هذه الأمة منهجا في عالم الواقع يؤدى ببساطة ، ويتمثل في يوميات الأمة المألوفة .. إنها لم تكن مثلا عليا خيالية ، ولا نماذج كذلك فردية. إنما كانت طابع الحياة الذي لا يرى الناس أن هناك طريقا آخر سواه.
وحين نطل من هذه القمة السامقة على الجاهلية في كل أعصارها وكل ديارها ـ بما فيها جاهلية العصور الحديثة ـ ندرك المدى المتطاول بين منهج يصنعه الله للبشر ، ومناهج يصنعها الناس للناس. ونرى المسافة التي لا تعبر بين آثار هذه المناهج وآثار ذلك المنهج الفريد في الضمائر والحياة.
إن الناس قد يعرفون المبادئ ؛ ويهتفون بها .. ولكن هذا شيء ، وتحقيقها في عالم الواقع شيء آخر .. وهذه المبادئ التي يهتف بها الناس للناس طبيعي ، ألا تتحقق في عالم الواقع .. فليس المهم أن يدعى الناس إلى المبادئ ؛ ولكن المهم هو من يدعوهم إليها .. المهم هو الجهة التي تصدر منها الدعوة .. المهم هو سلطان هذه الدعوة على الضمائر والسرائر .. المهم هو المرجع الذي يرجع إليه الناس بحصيلة كدهم وكدحهم لتحقيق هذه المبادئ ..
وقيمة الدعوة الدينية إلى المبادئ التي تدعو إليها ، هو سلطان الدين المستمد من سلطان الله ، فما يقوله فلان وعلان علام يستند؟ وأي سلطان له على النفوس والضمائر؟ وماذا يملك للناس حين يعودون إليه بكدحهم وكدهم في تحقيق هذه المبادئ؟
يهتف ألف هاتف بالعدل. وبالتطهر. وبالتحرر. وبالتسامي. وبالسماحة. وبالحب. وبالتضحية. وبالإيثار ... ولكن هتافهم لا يهز ضمائر الناس ؛ ولا يفرض نفسه على القلوب. لأنه دعاء ما أنزل الله به من سلطان! ليس المهم هو الكلام .. ولكن المهم من وراء هذا الكلام!
ويسمع الناس الهتاف من ناس مثلهم بالمبادئ والمثل والشعارات ـ مجردة من سلطان الله ـ ولكن ما أثرها؟ إن فطرتهم تدرك أنها توجيهات من بشر مثلهم. تتسم بكل ما يتسم به البشر من جهل وعجز وهوى وقصور. فتتلقاها فطرة الناس على هذا الأساس. فلا يكون لها على فطرتهم من سلطان! ولا يكون لها في كيانهم من هزة ، ولا يكون لها في حياتهم من أثر إلا أضعف الأثر!
ثم إن قيمة هذه «الوصايا» في الدين ، أنها تتكامل مع «الإجراءات» لتكييف الحياة. فهو لا يلقيها مجردة في الهواء .. فأما حين يتحول الدين إلى مجرد وصايا ؛ وإلى مجرد شعائر ؛ فإن وصاياه لا تنفذ ولا تتحقق! كما نرى ذلك الآن في كل مكان ..
إنه لا بد من نظام للحياة كلها وفق منهج الدين ؛ وفي ظل هذا النظام ينفذ الدين وصاياه. ينفذها في أوضاع واقعية تتكامل فيها الوصايا والإجراءات! .. وهذا هو «الدين» في المفهوم الإسلامي دون سواه .. الدين الذي يتمثل في نظام يحكم كل جوانب الحياة.
وحين تحقق «الدين» بمفهومه هذا في حياة الجماعة المسلمة أطلت على البشرية كلها من تلك القمة السامقة ؛ والتي ما تزال سامقة على سفوح الجاهلية الحديثة ؛ كما كانت سامقة على سفوح الجاهلية العربية وغيرها على السواء .. وحين تحول «الدين» إلى وصايا على المنابر ؛ وإلى شعائر في المساجد ؛ وتخلى عن نظام الحياة ..
* * *
لم يعد لحقيقة الدين وجود في الحياة! ولا بد من جزاء للمؤمنين من الله ، الذي يتعاملون معه وحده ؛ يشجع ويقوي على النهوض بتكاليف القوامة ؛
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
