وهو جواب يستحق التأمل .. إنه يلقي في حسهم هذه الحقيقة : إنهم لم يحرموا طيبا ، ولم يمنعوا عن طيب ؛ وإن كل الطيبات لهم حلال ، فلم يحرم عليهم إلا الخبائث .. والواقع أن كل ما حرمه الله هو ما تستقذره الفطرة السليمة من الناحية الحسية. كالميتة والدم ولحم الخنزير. أو ينفر منه القلب المؤمن كالذي أهلّ لغير الله به أو ما ذبح على النصب ، أو كان الاستقسام فيه بالأزلام. وهو نوع من الميسر.
ويضيف إلى الطيبات ـ وهي عامة ـ نوعا منها يدل على طيبته تخصيصه بالذكر بعد التعميم ؛ وهو ما تمسكه الجوارح المعلمة المدربة على الصيد كالصقر والبازي ، ومثلها كلاب الصيد ، أو الفهود والأسود. مما علمه أصحابه كيف يكلب الفريسة : أي يكبلها ويصطادها :
(وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ ، تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ. فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ ، إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) ..
وشرط الحل فيما تمسكه هذه الجوارح المكلبة المعلمة المدربة ، أن تمسك على صاحبها : أي أن تحتفظ بما تمسكه من الصيد ؛ فلا تأكل منه عند صيده ؛ إلا إذا غاب عنها صاحبها ، فجاعت. فإنها إن أكلت من الفريسة عند إمساكها لها ، لا تكون معلمة ؛ وتكون قد اصطادت لنفسها لا لصاحبها فلا يحل له صيدها. ولو تبقى منها معظم الصيد لم تأكله ؛ ولو جاءت به حيا ولكنها كانت أكلت منه ؛ فلا يذكى ؛ ولو ذبح ما كان حلالا ..
والله يذكر المؤمنين بنعمته عليهم في هذه الجوارح المكلبة ؛ فقد علموها مما علمهم الله. فالله هو الذي سخر لهم هذه الجوارح ؛ وأقدرهم على تعليمها ؛ وعلمهم هم كيف يعلمونها .. وهي لفتة قرآنية تصور أسلوب التربية القرآني ، وتشي بطبيعة المنهج الحكيم الذي لا يدع لحظة تمر ، ولا مناسبة تعرض ، حتى يوقظ في القلب البشري الإحساس بهذه الحقيقة الأولى : حقيقة أن الله هو الذي أعطى كل شيء. هو الذي خلق ، وهو الذي علم ، وهو الذي سخر ؛ وإليه يرجع الفضل كله ، في كل حركة وكل كسب وكل إمكان ، يصل إليه المخلوق .. فلا ينسى المؤمن لحظة ، أن من الله ، وإلى الله ، كل شيء في كيانه هو نفسه ؛ وفيما حوله من الأشياء والأحداث ؛ ولا يغفل المؤمن لحظة عن رؤية يد الله وفضله في كل عزمة نفس منه ، وكل هزة عصب ، وكل حركة جارحة .. ويكون بهذا كله «ربانيا» على الاعتبار الصحيح.
والله يعلم المؤمنين أن يذكروا اسم الله على الصيد الذي تمسك به الجوارح. ويكون الذكر عند إطلاق الجارح إذ أنه قد يقتل الصيد بنابه أو ظفره ؛ فيكون هذا كالذبح له ؛ واسم الله يذكر عند الذبح ، فهو يذكر كذلك عند إطلاق الجارح سواء.
ثم يردهم في نهاية الآية إلى تقوى الله ؛ ويخوفهم حسابه السريع .. فيربط أمر الحل والحرمة كله بهذا الشعور الذي هو المحور لكل نية وكل عمل في حياة المؤمن ؛ والذي يحول الحياة كلها صلة بالله ، وشعورا بجلاله ، ومراقبة له في السر والعلانية :
(وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) ..
ويستطرد في بيان ما أحل لهم من الطعام ويلحق به ما أحل لهم من النكاح :
(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ. وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ. وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ. وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ. إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) ..
وهكذا يبدأ ألوان المتاع الحلال مرة أخرى بقوله :
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
