وإن هذه الكلمات الهائلة لتلقي على عاتق هذه الأمة عبئا ثقيلا ، يكافىء هذه الرعاية الجليلة .. أستغفر الله .. فما يكافىء هذه الرعاية الجليلة من الملك الجليل شيء تملك هذه الأمة بكل أجيالها أن تقدمه .. وإنما هو جهد الطاقة في شكر النعمة ، ومعرفة المنعم .. وإنما هو إدراك الواجب ثم القيام بما يستطاع منه ، وطلب المغفرة والتجاوز عن التقصير والقصور فيه.
إن ارتضاء الله الإسلام دينا لهذه الأمة ، ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الاختيار. ثم تحرص على الاستقامة على هذا الدين جهد ما في الطاقة من وسع واقتدار .. وإلا فما أنكد وما أحمق من يهمل ـ بله أن يرفض ـ ما رضيه الله له ، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله! .. وإنها ـ إذن ـ لجريمة نكدة ؛ لا تذهب بغير جزاء ، ولا يترك صاحبها يمضي ناجيا أبدا وقد رفض ما ارتضاه له الله .. ولقد يترك الله الذين لم يتخذوا الإسلام دينا لهم ، يرتكبون ما يرتكبون ويمهلهم إلى حين .. فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم تركوه أو رفضوه .. واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير المنهج الذي ارتضاه لهم الله .. فلن يتركهم الله أبدا ولن يمهلهم أبدا ، حتى يذوقوا وبال أمرهم وهم مستحقون!
ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في هذه الوقفات أمام تلك الكلمات الهائلة. فالأمر يطول. فنقنع بهذه اللمحات ، في هذه الظلال ، ونمضي مع سياق السورة إلى مقطع جديد :
* * *
(يَسْئَلُونَكَ : ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ؟ قُلْ : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ، وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ. فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ. وَاتَّقُوا اللهَ ، إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ، وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ـ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ ـ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) ..
إن هذا السؤال من الذين آمنوا عما أحل لهم ؛ يصور حالة نفسية لتلك الجماعة المختارة ، التي سعدت بخطاب الله تعالى لها أول مرة ؛ ويشي بما خالج تلك النفوس من التحرج والتوقي من كل ما كان في الجاهلية ؛ خشية أن يكون الإسلام قد حرمه ؛ وبالحاجة إلى السؤال عن كل شيء للتثبت من أن المنهج الجديد يرتضيه ويقره. والناظر في تاريخ هذه الفترة يلمس ذلك التغيير العميق الذي أحدثه الإسلام في النفس العربية .. لقد هزها هزا عنيفا نفض عنها كل رواسب الجاهلية .. لقد أشعر المسلمين ـ الذين التقطهم من سفح الجاهلية ليرتفع بهم إلى القمة السامقة ـ أنهم يولدون من جديد ؛ وينشأون من جديد. كما جعلهم يحسون إحساسا عميقا بضخامة النقلة ، وعظمة الوثبة ، وجلال المرتقى ، وجزالة النعمة. فأصبح همهم أن يتكيفوا وفق هذا المنهج الرباني الذي لمسوا بركته عليهم. وأن يحذروا عن مخالفته .. وكان التحرج والتوجس من كل ما ألفوه في الجاهلية هو ثمرة هذا الشعور العميق ، وثمرة تلك الهزة العنيفة.
لذلك راحوا يسألون الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بعد ما سمعوا آيات التحريم :
(ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ؟).
ليكونوا على يقين من حله قبل أن يقربوه.
وجاءهم الجواب :
(قُلْ : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ...) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
