الذاتية ، والملابسات العارضة في الحياة .. يدعوهم ألا يعتدوا حتى على الذين صدوهم عن المسجد الحرام في عام الحديبية ؛ وقبله كذلك ؛ وتركوا في نفوس المسلمين جروحا وندوبا من هذا الصد ؛ وخلفوا في قلوبهم الكره والبغض. فهذا كله شيء ؛ وواجب الأمة المسلمة شيء آخر. شيء يناسب دورها العظيم :
(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا. وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ. وَاتَّقُوا اللهَ ، إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) ..
إنها قمة في ضبط النفس ؛ وفي سماحة القلب .. ولكنها هي القمة التي لا بد أن ترقى إليها الأمة المكلفة من ربها أن تقوم على البشرية لتهديها وترتفع بها إلى هذا الأفق الكريم الوضيء.
إنها تبعة القيادة والقوامة والشهادة على الناس .. التبعة التي لا بد أن ينسى فيها المؤمنون ما يقع على أشخاصهم من الأذى ليقدموا للناس نموذجا من السلوك الذي يحققه الإسلام ، ومن التسامي الذي يصنعه الإسلام. وبهذا يؤدون للإسلام شهادة طيبة ؛ تجذب الناس إليه وتحببهم فيه.
وهو تكليف ضخم ؛ ولكنه ـ في صورته هذه ـ لا يعنت النفس البشرية ، ولا يحملها فوق طاقتها. فهو يعترف لها بأن من حقها أن تغضب ، ومن حقها أن تكره. ولكن ليس من حقها أن تعتدي في فورة الغضب ودفعة الشنآن .. ثم يجعل تعاون الأمة المؤمنة في البر والتقوى ؛ لا في الإثم والعدوان ؛ ويخوفها عقاب الله ، ويأمرها بتقواه ، لتستعين بهذه المشاعر على الكبت والضبط ، وعلى التسامي والتسامح ، تقوى لله ، وطلبا لرضاه.
ولقد استطاعت التربية الإسلامية ، بالمنهج الرباني ، أن تروض نفوس العرب على الانقياد لهذه المشاعر القوية ، والاعتياد لهذا السلوك الكريم .. وكانت أبعد ما تكون عن هذا المستوي وعن هذا الاتجاه .. كان المنهج العربي المسلوك والمبدأ العربي المشهور : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» .. كانت حمية الجاهلية ، ونعرة العصبية. كان التعاون على الإثم والعدوان أقرب وأرجح من التعاون على البر والتقوى ؛ وكان الحلف على النصرة ، في الباطل قبل الحق. وندر أن قام في الجاهلية حلف للحق. وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله ؛ ولا تستمد تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزان الله .. يمثل ذلك كله ذلك المبدأ الجاهلي المشهور : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» .. وهو المبدأ الذي يعبر عنه الشاعر الجاهلي في صورة أخرى ، وهو يقول :
|
وهل أنا إلا من غزية إن غوت |
|
غويت ، وإن ترشد غزية أرشد! |
ثم جاء الإسلام .. جاء المنهج الرباني للتربية .. جاء ليقول للذين آمنوا :
(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا. وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ. وَاتَّقُوا اللهَ ، إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) ..
جاء ليربط القلوب بالله ؛ وليربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله. جاء ليخرج العرب ـ ويخرج البشرية كلها ـ من حمية الجاهلية ، ونعرة العصبية ، وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية والعائلية والعشائرية في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء ..
وولد «الإنسان» من جديد في الجزيرة العربية .. ولد الإنسان الذي يتخلق بأخلاق الله .. وكان هذا هو المولد الجديد للعرب ؛ كما كان هو المولد الجديد للإنسان في سائر الأرض .. ولم يكن قبل الإسلام في الجزيرة إلا الجاهلية المتعصبة العمياء : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». كذلك لم يكن في الأرض كلها إلا هذه الجاهلية المتعصبة العمياء!
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
