القرآني إلى الله تعظيما لها ، وتحذيرا من استحلالها.
والشهر الحرام يعني الأشهر الحرم ؛ وهي رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة والمحرم. وقد حرم الله فيها القتال ـ وكانت العرب قبل الإسلام تحرمها ـ ولكنها تتلاعب فيها وفق الأهواء ؛ فينسئونها ـ أي يؤجلونها ـ بفتوى بعض الكهان ، أو بعض زعماء القبائل القوية! من عام إلى عام. فلما جاء الإسلام شرع الله حرمتها ، وأقام هذه الحرمة على أمر الله ، يوم خلق الله السماوات والأرض كما قال في آية التوبة : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ..) وقرر أن النسيء زيادة في الكفر. واستقام الأمر فيها على أمر الله .. ما لم يقع الاعتداء فيها على المسلمين ، فإن لهم حينئذ أن يردوا الاعتداء ؛ وألا يدعوا المعتدين يحتمون بالأشهر الحرم ـ وهم لا يرعون حرمتها ـ ويتترسون خلفها للنيل من المسلمين ، ثم يذهبون ناجين! وبين الله حكم القتال في الأشهر الحرم كما مر بنا في سورة البقرة. (١)
والهدي وهو الذبيحة التي يسوقها الحاج أو المعتمر ؛ وينحرها في آخر أيام الحج أو العمرة ، فينهي بها شعائر حجه أو عمرته. وهي ناقة أو بقرة أو شاة .. وعدم حلها معناه ألا ينحرها لأي غرض آخر غير ما سيقت له ؛ ولا ينحرها إلا يوم النحر في الحج وعند انتهاء العمرة في العمرة. ولا ينتفع من لحومها وجلودها وأشعارها وأوبارها بشيء ؛ بل يجعلها كلها للفقراء.
والقلائد. وهي الأنعام المقلدة التي يقلدها أصحابها ـ أي يضعون في رقبتها قلادة ـ علامة على نذرها لله ؛ ويطلقونها ترعى حتى تنحر في موعد النذر ومكانه ـ ومنها الهدي الذي يشعر : أي يعلم بعلامة الهدي ويطلق إلى موعد النحر ـ فهذه القلائد يحرم إحلالها بعد تقليدها ؛ فلا تنحر إلا لما جعلت له .. وكذلك قيل : إن القلائد هي ما كان يتقلد به من يريدون الأمان من ثأر أو عدو أو غيره ؛ فيتخذون من شجر الحرم ما يتقلدون به ، وينطلقون في الأرض لا يبسط أحد يده إليهم بعدوان ـ وأصحاب هذا القول قالوا : إن ذلك قد نسخ بقول الله فيما بعد : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) .. وقوله : (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) .. والأظهر القول الأول ؛ وهو أن القلائد هي الأنعام المقلدة للنذور لله ؛ وقد جاء ذكرها بعد ذكر الهدي المقلد للنحر للحج أو العمرة ، للمناسبة بين هذا وذاك.
كذلك حرم الله آمّين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا .. وهم الذين يقصدون البيت الحرام للتجارة الحلال وطلب الرضوان من الله .. حجاجا أو غير حجاج .. وأعطاهم الأمان في حرمة بيته الحرام.
ثم أحل الصيد متى انتهت فترة الإحرام ، في غير البيت الحرام ، فلا صيد في البيت الحرام :
(وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا) ..
إنها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام ؛ كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرم .. منطقة يأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى. وأن يروعها العدوان .. إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت ؛ استجابة لدعوة إبراهيم ـ أبي هذه الأمة الكريم ـ ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة في العام ـ في ظل الإسلام ـ وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته وأمنه ؛ ليحرص عليه ـ بشروطه ـ وليحفظ عقد الله وميثاقه ، وليحاول أن يطبقه في الحياة كلها على مدار العام ، وفي كل مكان ..
وفي جو الحرمات وفي منطقة الأمان ، يدعو الله الذين آمنوا به ، وتعاقدوا معه ، أن يفوا بعقدهم ؛ وأن يرتفعوا إلى مستوى الدور الذي ناطه بهم .. دور القوامة على البشرية ؛ بلا تأثر بالمشاعر الشخصية ، والعواطف
__________________
(١) يراجع الجزء الثاني من الظلال ص ٢٢٥ ـ ٢٢٧.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
