وهذا الأصل الكبير هو الذي يبرز في هذه السورة بروزا واضحا مقررا منصوصا عليه نصا. إلى جانب تصحيح التصور الاعتقادي الذي يقوم عليه هذا الأصل الكبير ..
ويحسن أن نصور من سياق النصوص القرآنية في السورة كيف برز هذان الأصلان الكبيران في سياقها كله ، وكيف يقوم هذا على ذاك قياما طبيعيا ومنطقيا.
إن السياق القرآني يستند في تقرير أن الحكم بما أنزل الله هو «الإسلام» ؛ وأن ما شرعه الله للناس من حلال أو حرام هو «الدين» إلى أن الله هو «الإله الواحد» لا شريك له في ألوهيته ؛ وإلى أن الله هو الخالق الواحد لا شريك له في خلقه. وإلى أن الله هو المالك الواحد لا شريك له في ملكه .. ومن ثم يبدو حتميا ومنطقيا ألا يقضى شيء إلا بشرعه وإذنه. فالخالق لكل شيء ، المالك لكل شيء ، هو صاحب الحق ، وصاحب السلطان في تقرير المنهج الذي يرتضيه لملكه ولخلقه .. هو الذي يشرع فيما يملك ؛ وهو الذي يطاع شرعه وينفذ حكمه ؛ وإلا فهو الخروج والمعصية والكفر .. إنه هو الذي يقرر الاعتقاد الصحيح للقلب ؛ كما يقرر النظام الصحيح للحياة سواء بسواء. والمؤمنون به هم الذين يؤمنون بالعقيدة التي يقررها ؛ ويتبعون النظام الذي يرتضيه. هذه كتلك سواء بسواء. وهم يعبدونه بإقامة الشعائر ، ويعبدونه باتباع الشرائع ، بلا تفرقة بين الشعيرة والشريعة ؛ فكلتاهما من عند الله ، الذي لا سلطان لأحد في ملكه وعباده معه. بما أنه هو الإله الواحد. المالك الواحد. العليم بما في السموات والأرض جميعا .. ومن ثم فإن الحكم بشريعة الله هو دين كل نبي ؛ لأنه هو دين الله ، ولا دين سواه.
ومن ثم تتوارد النصوص هكذا في ثنايا السورة ؛ في تقرير الألوهية الواحدة ؛ ونفي كل شرك أو تثليث أو خلط بين ذات الله ـ سبحانه ـ وبين غيره. أو بين خصائص الألوهية ، وخصائص العبودية على الإطلاق : (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ. قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ. وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ. وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. قُلْ. فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً؟ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، يَخْلُقُ ما يَشاءُ. وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى : نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ! قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ. يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، أَنْ تَقُولُوا : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ. فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ. وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ..
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. وَقالَ الْمَسِيحُ : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ. إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَمَأْواهُ النَّارُ ، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ. وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ...) ولأن الله هو وحده الإله ، وهو وحده الخالق ، وهو وحده المالك .. فهو وحده الذي يشرع ، هو وحده الذي يحلل ويحرم ، وهو وحده الذي يطاع فيما يشرع وفيما يحرم أو يحلل. كما أنه هو وحده الذي يعبد ، وهو وحده الذي يتوجه إليه العباد بالشعائر. وقد أخذ الميثاق على عباده بهذا كله ؛ فهو يطالب الذين آمنوا أن يفوا بميثاقهم وتعاقدهم معه ؛ ويحذرهم عواقب نقض الميثاق وخلف العقود ؛ كما وقع من بني إسرائيل قبلهم :
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
